العبقات العنبرية - كاشف الغطاء، الشيخ محمد حسين - الصفحة ٢٣٤ - وصف كتاب يتيمة الدهر في ذكر علماء العصر
منّا بقتل الآخر فالذي ينفذ[١] أمره في الناس محق والآخر مبطل، وقد عرفت أنّ الأخباري كان مبرّزاً في تلك الأطراف، فلما كان الغروب برزوا إلى الصحراء وتراكمت الصفوف والألوف عقيب الأخباري، حتى الخاقان وبقي الشيخ وحده، فنادى الله أكبر برفيع صوته فلمّا سمعته الناس أوى إليه نصف ممن كان يروم الصلاة خلف الأخباري، ومذ أعادها ثانية وثالثا لم يبق معه سوى الخاقان بنفسه، فلما فرغ من صلاة المغرب أراد الشيخ أن يأمر الناس بقتل عدوه فأسرع نجل المليك الأكبر إلى أبيه وقال له لئن أمرنا الشيخ بقتلك فضلًا عن قتله قتلناك، فهنالك أمر الملك الأخباري بالركوب على فرسه والفرار ليلا بنفسه فامتثل وسرى يجدّ الليل والنهار حتى نزل الكاظمين عليهما السلام، وأقام فيها أحيانا، وحيث طرقت أسماع الحكام من الوزير وأتباعه فعلته مع الشيخ وهو عربي كيفما يكون محسوباً من رعيّتهم أخذتهم الغيرة والحمية فجهّزوا شرذمة من العسكر فطرقوا الباب عليه فلم يفتحها لهم فارتقوا من السطح المحاذي له وقتلوه إلى غير ذلك من عجائبه وقضاياه التي تفضي إلى العجب.
وقد عرفت أنّي لست له من المعاصرين فاطّلع على بادي أحواله وخافيها، وفي أفق هذا الطرس أبديها، وما ذكرت سوى الضروري المعلوم في حقّه عند جميع أرباب العلوم، من كل ما جاء به الخبر المتواتر، ورواه وارد لصادر، وصار بين الناس في الاشتهار، كالشمس في رابعة النهار، على أنّ الإطناب ينافي غرض الإتمام، بيسير من الأيام، ويوجب الملل، والمقصود به أنس جميع الملل. نعم لابد قبل الشروع في بيان مفصّل أحواله من تمهيد حيثيات:-
الأولى في أقواله، وقد علمت أنه لم يقل إلَّا الحق، ولم ينطق إلَّا
[١] وردت في المخطوطة( ينفد).