العبقات العنبرية - كاشف الغطاء، الشيخ محمد حسين - الصفحة ٨١ - ثانيا زهده وتقدسه
بآخر، ( (إنَّ المُبَذّرينَ كَانوا أِخْوانَ الشَّيَاطينِ))[١]، ولكن ارجعها إلى محلّها فبعثها الرّجل إلى أهله، وجلس خجلا فشلا، فأخذ الشيخ يرفع عنه خجله فقال له: يا ولدي بارك الله بك، وإنّي لأتوسّم الخير فيك، وإنّما قلت ما قلت لأنّ النفوس أمارة بالسوء ميالة إلى التصنع، والشيطان باسط للغواية باعه، وفارش للوثبة ذراعه، فإذا نظر الطلبة المشتغلون ما أنت عليه مالت نفوسهم إلى ذلك اللبّاس، وهم ذوو فاقة وإفلاس، فيلتزمون بالأسفار، وركوب الأخطار، لتحصيل أثمانها، فَتَرْكَنُ النفوس إلى شيطانها، فيضيع العلم، ولا يبقى منه لدى مدعيه سوى الاسم، وتتزيا الناس بزي عبدة الأوثان، وأمناء الشيطان، ولا يبقى من الإيمان سوى رسمه، ولا من الحق غير اسمه، ولم يزل يبين له المغيبات التي نراها اليوم رأي العين، والمفاسد الشائعة في البين، حتى ذهب خجل الرّجل وعاد الشيخ إلى درسه.
وكان يعول بما ينيف على الخمسين من إخوته وعياله وأولاده إلى غير ذلك من المتعلقين والخدّام، فكانوا يضعون في قدر كبير سحيق الأرز وشيئاً من اللّحم مع بعض الحموضات، فإذا طبخ جيء بآنيتين كبار من الكاشي الأخضر فَتُمْلأُ واحدة للنساء وأخرى للرجال، فيجتمع عليها مقدار عشرين رجلًا كلهم بين مجتهد، ومناهز، وعلى باقي الخدم والمتعلقين، وكانوا إذا أرادوا أكرام الشيخ صنعوا له مقداراً من الأرز مع الماش وأتوا له منه على مقداره وعليه البصل قطعاً قطعاً، فمن ذلك ما ذكره في كتاب (معدن الشرف) أنّه دخل عليه سيّد يقول البراقي وهو معروف الاسم واللّقب، ولكن ذهب عني اسمه، والقصة مشهورة، فلما رآه الشيخ رحّب به وأكرمه، ثم قال له ما الذي جاء بك في هذا الوقت؟ فقال جئتك لأنّك المطلع على أحوالي وإنيّ إلى الآن لم أتزوج وأريد منك المهر، فقال الشيخ: حبّا وكرامة وعلى العين والرأس لكن لا يترك الميسور بالمعسور، ونرجوك المسامحة وقبول ما عندنا ولك العهد علي أن أول شيء يأتيني أبعثه إليك، فاستقرض ما
[١] سورة الإسراء: ٢٧.