العبقات العنبرية - كاشف الغطاء، الشيخ محمد حسين - الصفحة ١٠١ - خامسا جوده وكرمه
وفي كتاب (قصص العلماء) شواهد كثيرة لما نحن فيه من جود الشيخ وأياديه، منها: أنّه كان ما بين الصلاتين يأخذ بكفيه طرف ردائه ويتردد ما بين الصفوف ويلتمس من أهل الجماعة الأموال للفقراء حتى يجتمع فيه مقدار غزير فيناديهم ويفرقه فيهم ويعود لصلاته.
ومنها: أنّ الشيخ كان من عوائده إذا دعاه حاكم أو ظالم أو أحد التجار ليشرف داره ويتناول من طعامه أجابه لذلك فإذا مدَّ الخوان[١]، وحَضرت الأطعمة والألوان، قوّمها الشيخ مع الحاضرين بقيمتها الواقعية، ثم قال لصاحب الدار أنا لا أكل شيئاً منها ولا آذن لأحد بذلك حتى تبتاعها مني وتعطيني الثمن، فيحضر صاحب المكان ثمنها للشيخ فيأذن للحاضرين ويأكل هو منها حتى أنّه حضر عند بعضهم بعض الأيام فقوّم ما أحضر من الطعام، وكانت وليمة عظيمة يبلغ مصرفها ثلاثمائة دينار أو أزيد، فلم يأذن لأحد بالتناول حتى حضر المبلغ لديه فكان ناقصاً ديناراً واحداً، فقال صاحب المكان يا مولانا نخشى أن يبرد الزاد، فَكُلْ ولا تخرج من الدار حتى تأخذ الدينار، فأبى وأمتنع عن الأكل حتى أحضر لديه فأكل وأذن للحاضرين حتى إذا فرغ بعث رسوله إلى أهل المدارس وفقراء البلد فأحضرهم بخدمة الشيخ، وفرق المال عليهم وقام وليس معه من المال شيء.
ومنها: أنّ الشيخ لما عزم على الرّحيل من أصفهان، وركب راحلته خارجاً من داره أتاه سيد فأخذ بلجام دابته، وقال له: أنا سيد محتاج مضطر إلى قدر مائة تومان، وأريدها الآن منك، وكان أمين الدولة يومئذ حاكم أصفهان، فقال الشيخ للسيد: أمضِ إلى أمين الدولة وقل له يقول الشيخ أعطني المقدار المذكور، فقال السيد فإنْ ردّني فمن لي بك وأنت راحل؟ فقال الشيخ لا بل أنا في مكاني حتى تأتي، فأوقف الشيخ دابَّتَهُ وهو عليها، ومضى السيد إلى أمين الدولة وقصَّ عليه الخبر، وقال له تركت الشيخ منتظراً لي وهو على راحلته في
[١] الخوان: ما يأكل عليه الطعام.