العبقات العنبرية - كاشف الغطاء، الشيخ محمد حسين - الصفحة ٦٣ - كرامات الشيخ جعفر الكبير
حتى عاد أشرافنا ظلَّاما وهتك الحجاب، وبرزت الكعاب، وحملتنا نكبات الدهر على المركب الوعر، وكنّا ذوي ثروة من المال، وغبطة من الحال، واليوم لا ثاغية يجتدى ضرعها، ولا راغية يرتجى نفعها، حتى ضاق بنا البرّ الواسع، بعد الأهل والمراضع، فسألنا أحياء العرب، عمن له بين السماء والأرض أقوى سلّم وسبب، فما أُرشدنا إلى سواك أدام الله علاك، فجئناك من بلد شاسع، تهيضنا هائضة وترفعنا رافعة، ومشينا حتى انتعلنا الدماء، وجعنا حتى أكلنا الثرى، على بوادر بَرَيْنَ اللّحم، وهضن العظم من سنة جردت، وحال اجتهدت، وأيد جُمدت، فارفع ما بنا من الضر بما بينك وبين الله من السرّ.
فقال الشيخ لهم: لا بأس عليكم ولا ضر، فإنّي سأفعل ذلك عند أول تشرفي بأعتاب الإمامين عليهما السلام والتمسك بذلك القبر، لأنّ الدعاء هنالك أوقع وأسمع، فأبوا وقالوا: لا ندعك تفلت من أيدينا، حتى تدعو لنا، فإنّا نرجو بدعائك نزُول الفرج علينا، فاستمهلهم إلى وصول الخان، وأعطاهم على ذلك العهود والأيمان، وقال: مكانكم فانتظروا الغيث، فإنّه سيأتيكم إنْ شاء الله عند أول وصولي بلا ريث، وسألوه عن سبب التأخير للدعاء فقال: أخشى على الزّوار أن يغمرهم الماء، فتعجّب أصحاب الشيخ واتباعه من وعده الأعراب، وقالوا ما بينهم: إنّ هذا الشيء عجاب، أ فأمر السماء بيديه؟، فَيَعِدْ[١] على أمر محال ويحلف عليه، وجعلوا يعيبون على الشيخ، ويتهكّمون حتى وصلوا إلى المنزل، فقال الشيخ حطوا رحلنا في المنازل المسقفة من الخان، فحطوا رحاله ورحال أصحابه هنالك، وأبى باقي الجماعة عن ذاك، ونزلوا وسط الدكة التي في وسط المنزل، وقالوا: يريد أن يحبسنا في ذلك المكان المظلم، زعماً منه أنّ الغيث سينزل، ثم أنّ الشيخ مضى لقضاء حاجته وخرج وجلس حذاء القوم الذين يضحكون عليه، ثم
[١] وردت في المخطوطة( فيوعد) وهي تقال عند التهديد والإنذار بالشر.