العبقات العنبرية - كاشف الغطاء، الشيخ محمد حسين - الصفحة ٢٣٣ - وصف كتاب يتيمة الدهر في ذكر علماء العصر
من اليهود فصالحهم عنها بما يكشف ضرّ السيد، فقبلوا بذلك ودفعوا له خمسة آلاف دينار، فهل رأيت يهوديا رقّ على مسلم بهذا المقدار لولا عظمة الشيخ وسلطنته وغرسه في قلوب الموالين والمعادين بتقواه بما وقع له وصدر مذ نوى السفر إلى بلدان إيران، سقاها ملّتُ العفو والغفران، وكان فيها الرئيس الميرزا المقرّب عند الخاقان من كان يزعم أنّه في العلوم الأوحد، الشهير بالأخباري الميرزا محمد، وكان يبغض علماء الأصول خصوصاً الفقهاء الفحول، ومذ سمع بقدوم الشيخ إلى هاتيك الصفحات صار يأمر الناس بعدم الركون له، وإلغاء قوله وفعله وعدم الاعتناء به حتى غرس ذلك في ذهن المليك أنّ هذا العالم القادم متنح عن جادة الله ورسوله وتنال أعلى الدرجات بقتله، ولماّ كان الشيخ خبيرا بذلك ولكنّه الجبل الذي لا تحركه العواصف، ترك صحبه وقت الظهيرة رقوداً وتوجّه إلى ملاقاة الخاقان، وقد كمن له في باب الملك رصداً مأمورون بقتله، فلما دخل الباب ونادى بيا الله من صميم قلبه تساقط السلاح من أيدي الرصّاد بغير شعور، وهووا لتقبيل أياديه وأقدامه، ولم ينفذوا أمر الخاقان بما أمرهم وارتقى الشيخ إلى مجلسه وسلّم بالشرعي عليه، وكان الأخباري جالساً متأدبا بين يديه فتعَجّب الخاقان من ذلك وأطرق هنيئة وبدأ الشيخ بالكلام في طلب المحاجة مع الأخباري فمن كان على حق نجا، ومن كان على الباطل هوى، فدعا الأخباري أن يضرموا ناراً فيدخل كل منهما فيها فمن كانت برداً وسلاماً عليه فهو مع الحق، ومن اصطلى بها فهو مع الباطل، فقال له الشيخ: ذاك من مكر أولي السحر، وسحر أولى المكر، فلا يصلح لإثبات المطلوب فرام منه الجري في ميادين المسائل، حيث تبين بها فضيلة أولي الفضائل.
فقال له الأخباري: من غير حكم ثالث بيننا لا يمكن، وهو محال غير ممكن، أما أدنى من الطرفين فلا يقبل منه، أو مساوٍ فيتّهم أو أعلى فلا يوجد، فليس إلَّا أن نختار الخروج والصلاة بالناس جماعة ويأمر كل واحد