العبقات العنبرية - كاشف الغطاء، الشيخ محمد حسين - الصفحة ٢٣١ - وصف كتاب يتيمة الدهر في ذكر علماء العصر
يشاب بالإنكار، يأتي من المعاني بالغواني الأبكار ومن جواهر الكلم بما يسمو النجوم في الأزهار، بهنّ وحّد موجد الممكنات والأقدار، وله الملائكة أعوان وأنصار وكم سطا على الكفار بفيلق جرّار، وأذن لحربهم بالبدار، مرّة وتكرار، فألقاهم بالذّلة والانكسار، والمحنة والاحتقار، فأدنى أولي الأقدار، وعمّهم بحر جوده الزخّار، وكم أقال لهم من عثار، وأبعد أولي الاستمرار في الإنكار إلى أقصى الديار، بعد ما أسقطهم عن ذروة الاعتبار، ولم يذر منهم في مرابع المسلمين ديار، وكم بالصّارم البتّار، والقنا الخطّار غادر جموعهم بدداً في الفيافي والقفار، وأعانه بيوم حربه حامي الجار، غداة توجّه إلى النجف صفوق وحاصر أهليها، وقابله الشيخ الموما إليه بما ليس له في العديد من مقدار، وكم شاد للعلماء دار، وكساهم جلابيب عزة ووقار، وخلع عنهم أبراد الخزي والعار، وألبسهم أحسن شعار، وكان يقضي الليل والنهار بالأذكار، وكم من جميل باق إلى انقضاء الأعمار، وكانت ألفاظه تنغرس في القلوب غرس الثّمار في الشجار، فلله مساعيه في بادي الأمر وخافيه، فكم بيت للمسلمين أنشا بنيانه ومتداع شيد أركانه، وكم من مسلم بغير تأهل أهَّلَهُ، وكم من أصل من الفروع أصّلَهُ، وكم نهج للمفاخر سنّ بكلّ فن، إمام تقي نقي ورع عابد لوذعيّ زاهد ألمعي، يحيي الدّياجي في طاعات ربّه، مكرّما في سلمه وحربه، عريض الصدر مربوع القامة، أصبح الوجه أغرّ الجبين إذا سلك في الطريق لا يكاد أجلّ الناس أن يرنوا إليه، وإذا جلس تطرق الملوك الصّيد أجلالًا لديه، وإذا تبسّم زهت المحافل بابتسامه، وإذا غضب لم تأمن القروم شرّ انتقامه، وإذا تكلّم فكالسّيل المنحدر من الأكام والقلل، بما يشفي العلل ويبل الغلل، وإذا تنحنح تكاد الجدران تهتز لهيبته، والأرض تميد من خشيته وإذا مضى في مقصد لا يردّ من حرّ وعبد، وإذا طُلِبَ منه أنجزَ لا وعد، لايعارض في حجّة، ولا ينازع في محجّة، يثبت ما يبديه من المقال بواضح الاستدلال، وكان رحمه الله معظما مبجّلا مكرماً محتشما مهابا جليلا في جميع الملل حتى