الصراع بين الأمويين و مبادئ الاسلام - داود، حامد حفنی - الصفحة ٥٧ -           ١ ـ اتباعهم سياسة الشدة واللين
ودراستنا هذه تحتوي على طائفة كبيرة من تلك الأمثلة . ويدخل ضمن تلك الأساليب تصرف آخر توضحه الحادثة الطريفة التالية أوضح تمثيل .
« دخل اياس بن معاوية الشام وهو غلام . فقدم خصما ـ إلى باب القاضي ـ في أيام عبد الملك بن مروان . فقال له القاضي أما تستحي تخاصم ـ وأنت غلام ـ شيخا كبيرا ؟
فقال الغلام : الحق أكبر منه . فقال القاضي اسكت ويحك !! فقال الغلام فمن ينطق بحجتي ؟ .
فقام القاضي ودخل على عبد الملك واخبره . فقال له عبد الملك : إقض حاجته واخرجه من الشام لكيلا يفسد علينا الناس [١] » .
« وخطب معاوية فقال له رجل كذبت . فنزل مغضبا . فدخل منزله ثم خرج عليهم تقطر لحيته ماء . فصعد المنبر فقال ايها الناس إن الغضب من الشيطان وأن الشيطان من النار . فإذا غضب أحدكم فليطفئه بالماء [٢] .
وقد بدا معاوية ـ في هذا المثال ـ على جانب كبير من المرونة وضبط النفس . كما بدا الشخص الذي رماه بالكذب متثبتاً من قوله . ولو استطاع معاوية أن يثبت عكس ذلك لناقشه على الأقل أو لأمر به فنال ما يستحقه من عقاب لتطاوله على الخليفة .
وقد تجلت أيضاً براعة معاوية في الإلتواء ، وبرز دهاؤه « في التملص من المآزق الحرجة » في إشغاله السامعين بالتحدث عن وسائل إزالة الغضب بدلا من التحدث عن أصل المشكلة التي كان يتحدث عنها فرمي بالكذب من أجلها .
ومن أطرف ما عثرنا عليه أثناء البحث في هذا الجانب من جواب الموضوع
١ ـ ابن أبي الحديد ، « شرح نهج البلاغة » ٤ | ١٣٣ .
[٢]ـ ابن قتيبة ، « عيون الأخبار » ١ | ٢٩٠ .