الصراع بين الأمويين و مبادئ الاسلام - داود، حامد حفنی - الصفحة ١٢٠ -           ٢ ـ الكذب على الله وعلى رسوله وعلى المسلمين
ويجري هذا المجرى : ان أولئك الكتاب « العرب » كثيراً ما يعتبرون غير العرب « عربا » وبالعكس من الناحية « القومية » .
لقد مر بنا القول بأن الموالي قد برعوا في العلوم الاسلامية وتفوقوا فيها على العرب . ترى لماذا برع الموالي في إتقان العلوم الاسلامية ؟ وتخلف عنهم العرب ؟
هل يعود السبب في ذلك إلى اختلاف في وراثاتهم الجسمية والعقلية ؟
ام انه يرجع إلى عوامل بيئية صرفة ؟
هل أشتل الامويون العرب في الحروب والمؤامرات السياسية فصرفوهم عن العلم ؟ فخلا الجو العلمي للموالي ؟
وهل شعر الموالي بضرورة تجنب الاشتراك في السياسة الاموية فانصرفوا بكليتهم إلى العلم ؟
إن الاجابة بالاثبات عن السؤال الرابع وبالنفي عن السؤال الثالث تعتبر من أوليات العلم الحديث ـ وبخاصة علم النفس والاجتماع ـ .
فلم يبرع الموالي في الجوانب العلمية لأنهم موال بل برعوا فيها لانصرافهم لها دون العرب .
وقد أدى انصراف الموالي إلى البحث والتتبع في العلوم الاسلامية إلى اختلاف في تفسير النصوص الموجودة في القرآن والحديث وبالتالي إلى ظهور مسائل اجتهادية كثيرة أبعدت المسلمين عن بعضهم بعضا .
وهذه ظاهرة لا ينبغي أن تثير الدهشة أو الاستغراب . فإن من مستلزمات البحث الحرأنه يؤدي إلى تشعب الدراسة واختلاف في وجهات النظر . ويظهر ذلك في شتى صنوف المعرفة الإنسانية ، الطبيعية منها والاجتماعية مع اختلاف في سعة ذلك الاختلاف » .
ومن الطريف أن ننبه القارئ إلى أن آينشتين العالم الفيزيائي المعروف قد أطلق على نظرياته العلمية اسم « النسبة » للتعبير عن الاختلاف الذي أشرنا إله فاختلاف وجهات النظر بين الباحثين إذن أمر لابد من حدوثه ، وأنه يؤدي ـ في العادة ـ إلى ازدهار المعرفة الانسانية ويصدق ما ذكرناه على الفقه كما يصدق على ضروب المعرفة الاخرى ، مع هذا الفارق الكبير : هو أن الاجتهاد ـ في مجال الفقه ـ يجب أن يسير في نطاق الدين الاسلامي وفي إطار القرآن وسنة الرسول .
فهل يجوز إذن أن يعتبر انصراف الموالي ـ للجوانب العلمية الفقهية ـ وما رافق ذلك من تعدد في الرأي واختلاف في وجهات النظر ـ هدما للإسلام ؟
وإذا لم يكن الامر كذلك فهل بالامكان اعتبار سياسة الامويين ـ تجاه الموالي وتجاه العرب الذين طالبوا الامويين بضرورة السير وفق مستلزمات الدين ـ هدما للإسلام ؟
إننا لا نشك في أن القارئ المنصف يشاركنا الاجابة بالايجاب عن هذا السؤال .
أما قضية المفاضلة بالاحساب فيتلخص رأي الموالي في ردهم على ابن قتيبة . ذكر ابن عبد ربه [١] إن الموالي يقولون : « إننا نحن لا ننكر تباين الناس ولا تفاضلهم ولا السيد منهم والمسود والشريف والمشروف . ولكننا نزعم أن تفاضل الناس ـ فيما بينهم ـ هو ليس بآبائهم ولا بأحسابهم ولكنه بأفعالهم وأخلاقهم وشرف أنفسهم وبعد هممهم .
ألا ترى إنه من كان دنيء الهمة ساقط المروءة لم يشرف وإن كان من هاشم في ذؤابتها !! إنما الكريم من كرمت أفعاله والشريف من شرفت همته . »
[١] العقد الفريد : ٢ | ٢٥٨ ـ ٢٥٩ .