إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٧٤
إحیاء علوم الدین جلد ١٦ ، بخش: ج ١٦-تعريف الأحياء ،
(صفحه ١١)
و حاز شرف الآخرة و الدنيا.
و قال السيد الكبير العارف باللّه الشهير على بن أبي بكر بن الشيخ عبد الرحمن السقاف لو قلّب أوراق الإحياء كافر لأسلم،ففيه سر خفيّ يجذب القلوب شبه المغناطيس قلت:
و هو صحيح فإنى مع خسيس قصدى و قساوة قلبي أجد عند مطالعتى له من انبعاث الهمة و عزوف النفس عن الدنيا ما لا مزيد عليه،ثم يفتر برجوعى إلى ما أنا فيه،و مخالطة أهل الكثافات،و لا أجد ذلك عند مطالعة غيره من كتب الوعظ و الرقائق و ما ذاك إلا لشيء أودعه اللّه فيه و سر نفس مصنفه،و حسن قصده،و المراد بالكافر هنا فيما يظهر الجاهل لعيوب النفس،المحجوب عن إدراك الحق أي فبمجرد مطالعته للكتاب المذكور يشرح اللّه صدره،و ينور قلبه،و ذلك لأن الوعظ إذا صدر عن قلب متعظ كان حريا أن يتعظ به سامعه،و كما أن اللّه تعالى جعل لعباده الذين لا خوف عليهم و لا هم يحزنون،رتبة فوق غيرهم،كذلك جعل لما يبرز منهم،و يؤخذ عنهم بركة زائدة على غيره لأن ألسنتهم كريمة،و أنوار قلوبهم عظيمة،و هممهم علية، و إشاراتهم سنية،حتى يكون للقرءان أثر عظيم عند سماعه منهم،و للأحاديث بهجة و جلالة زائدة إذا أخذت عنهم،و للمواعظ منهم تأثير في القلوب ظاهر،و لعلومهم و فقههم أنوار و نفع متظاهر،حتى تجد الرجل له العلم القليل،و بعد ذلك ينتفع به كثير،لحسن نيته،و وجود بركته،و غيره له أكثر من ذلك العلم،و لم ينتفع به مثله،لأنه دونه في منزلته،و من تأمل ذلك وجده أمرا ظاهرا معهودا،و شيئا مجربا موجودا،فانظر إلى نفع الناس،بكتاب الخلاف في مذهب مالك رحمه اللّه تعالى، و التنبيه في مذهب الشافعي رحمه اللّه تعالى،و الجمل في العربية و الإرشاد في علم الكلام،و انتشارها مع أن ما حوت من العلم في فنونها قليل،و قد جمع غير هؤلاء في هذه الفنون في مثل أجرام هذه الكتب أضعاف ما فيها.مع تحقيق تحرير العبارات و تشقيق المعاني،و تلخيص الحدود بعد هذا،فالنفع بهذه أكثر،و هي أظهر و أشهر، لأن العلم بمزيد التقوى،و قوّة سر الإيمان،لا بكثرة الذكاء و فصاحة اللسان، كما بين ذلك مالك رحمه اللّه تعالى بقوله:ليس العلم بكثرة الرواية،إنما العلم نور يضعه