إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٥ - بيان
الشّعرة من العجين و يقال أيّتها النّفس المطمئنّة اخرجي راضية و مرضيّا عنك إلى روح اللّه و كرامته فإذا أخرجت روحه وضعت على ذلك المسك و الرّيحان و طويت عليها الحريرة و بعث بها إلى علّيّين و إنّ الكافر إذا احتضر أتته الملائكة بمسح فيه جمرة فتنزع روحه انتزاعا شديدا و يقال أيّتها النّفس الخبيثة اخرجي ساخطة و مسخوطا عليك إلى هوان اللّه و عذابه فإذا أخرجت روحه وضعت على تلك الجمرة و إنّ لها نشيشا و يطوى عليها المسح و يذهب بها إلى سجّين » و عن محمد بن كعب القرظي،أنه كان يقرأ قوله تعالى حَتّٰى إِذٰا جٰاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قٰالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صٰالِحاً فِيمٰا تَرَكْتُ [١]قال أي شيء تريد؟في أي شيء ترغب؟أ تريد أن ترجع لتجمع المال،و تغرس الغراس،و تبنى البنيان،و تشقق الأنهار؟ قال لا لعلّي أعمل صالحا فيما تركت.قال فيقول الجبار.كلا،إنها كلمة هو قائلها،أي ليقولنها عند الموت.و قال[١]أبو هريرة.قال النبي صلى اللّه عليه و سلم«المؤمن في قبره في روضة خضراء و يرحّب له في قبره سبعون ذراعا و يضيء حتّى يكون كالقمر ليلة البدر هل تدرون فيما ذا أنزلت فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً [٢]قالوا اللّه و رسوله أعلم قال«عذاب الكافر في قبره يسلّط عليه تسعة و تسعون تنّينا هل تدرون ما التّنّين تسعة و تسعون حيّة لكلّ حيّة سبعة رءوس يخدشونه و يلحسونه و ينفخون في جسمه إلى يوم يبعثون » و لا ينبغي أن يتعجب من هذا العدد على الخصوص،فإن أعداد هذه الحيّات و العقارب بعدد الأخلاق المذمومة من الكبر،و الرياء،و الحسد،و الغل،و الحقد،و سائر الصفات، فإن لها أصولا معدودة،ثم تتشعب منها فروع معدودة،ثم تنقسم فروعها إلى أقسام.
و تلك الصفات بأعيانها هي المهلكات،و هي بأعيانها تنقلب عقارب و حيات،فالقوي منها يلدغ لدغ التنين ،و الضعيف يلدغ لدغ العقرب،و ما بينهما يؤذى إيذاء الحية.و أرباب القلوب و البصائر يشاهدون بنور البصيرة هذه المهلكات و انشعاب فروعها،إلا أن مقدار
[١] المؤمنون:٩٩،١٠٠
[٢] طه:١٢٤