إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٣٨ - صفة المساءلة
أن يكونوا هم المأخوذين،فهذا حال المقربين،فما ظنك بالعصاة المجرمين؟ و عند ذلك يبادر أقوام من شدة الفزع فيقولون للملائكة:أ فيكم ربنا؟ و ذلك لعظم موكبهم،و شدة هيبتهم.فتفزع الملائكة من سؤالهم إجلالا لخالقهم عن أن يكون فيهم،فنادوا بأصواتهم منزهين لمليكهم عما توهمه أهل الأرض،و قالوا سبحان ربنا ما هو فينا،و لكنه آت من بعد.و عند ذلك تقوم الملائكة صفا محدقين بالخلائق من الجوانب،و على جميعهم شعار الذل و الخضوع و هيئة الخوف و المهابة لشدة اليوم ،و عند ذلك يصدق اللّه تعالى قوله [١]فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَ لَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَ مٰا كُنّٰا غٰائِبِينَ و قوله فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمّٰا كٰانُوا يَعْمَلُونَ [٢]فيبدأ سبحانه بالأنبياء يَوْمَ يَجْمَعُ اللّٰهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مٰا ذٰا أُجِبْتُمْ قٰالُوا لاٰ عِلْمَ لَنٰا إِنَّكَ أَنْتَ عَلاّٰمُ الْغُيُوبِ [٣].فيا لشدة يوم تذهل فيه عقول الأنبياء،و تنمحى علومهم من شدة الهيبة،إذ يقال لهم ما ذا أجبتم و قد أرسلتم إلى الخلائق،و كانوا قد علموا فتدهش عقولهم فلا يدرون بما ذا يجيبون،فيقولون من شدة الهيبة لا علم لنا، إنك أنت علام الغيوب.و هم في ذلك الوقت صادقون،إذ طارت منهم العقول، و انمحت العلوم،إلى أن يقوّيهم اللّه تعالى، فيدعى نوح عليه السلام،فيقال له:هل بلغت؟فيقول نعم.فيقال لأمته هل بلغكم؟فيقولون ما أتانا من نذير.و يؤتى بعيسى عليه السلام،فيقول اللّه تعالى له:أ أنت قلت للناس اتخذوني و أمي الهين من دون اللّه؟فيبقى متشحطا تحت هيبة هذا السؤال .ثم تقبل الملائكة،فينادون واحدا واحدا، يا فلان بن فلانة ،هلم إلى موقف العرض.و عند ذلك ترتعد الفرائص و تضطرب الجوارح،و تبهت العقول،و يتمنى أقوام أن يذهب بهم إلى النار،و لا تعرض قبائح أعمالهم على الجبار،و لا يكشف سترهم على ملأ الخلائق
[١] الأعراف:٦،٧
[٢] الحجر:٩٢
[٣] المائدة:١٠٩