إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٣٠ - صفة العرق
بطونهم و وجوههم،فلا قدرة لهم على الالتفات إلى غيرهم.قال[١]أبو هريرة رضي اللّه عنه:قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم«يحشر النّاس يوم القيامة ثلاثة أصناف ركبانا و مشاة و على وجوههم» فقال رجل يا رسول اللّه،و كيف يمشون على وجوههم؟قال«الّذي أمشاهم على أقدامهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم» في طبع الآدمي إنكار كل ما لم يأنس به.و لو لم يشاهد الإنسان الحية و هي تمشي على بطنها كالبرق الخاطف،لانكر تصوّر المشي على غير رجل.و المشي بالرجل أيضا مستبعد عند من لم يشاهد ذلك.فإياك أن تنكر شيئا من عجائب يوم القيامة لمخالفته قياس ما في الدنيا،فإنك لو لم تكن قد شاهدت عجائب الدنيا،ثم عرضت عليك قبل المشاهدة،لكنت أشد إنكارا لها.فأحضر في قلبك صورتك و أنت واقف عاريا،مكشوفا،ذليلا،مدحورا،متحيرا،مبهوتا،منتظرا لما يجرى عليك من القضاء بالسعادة أو بالشقاوة.و أعظم هذه الحال فإنها عظيمة
صفة العرق
ثم تفكر في ازدحام الخلائق و اجتماعهم.حتى ازدحم على الموقف أهل السموات السبع و الأرضين السبع،من ملك،و جن،و إنس،و شيطان،و وحش.و سبع، و طير،فأشرقت عليهم الشمس و قد تضاعف حرها.و تبدلت عما كانت عليه من خفة أمرها،ثم أدنيت من رءوس العالمين كقاب قوسين ،فلم يبق على الأرض ظل إلا ظل عرش رب العالمين و لم يمكّن من الاستظلال به إلا المقربون ،فمن بين مستظل بالعرش،و بين مضح لحر الشمس،قد صهرته بحرّها،و اشتد كربه و غمه من وهجها.ثم تدافعت الخلائق،و دفع بعضهم بعضا لشدة الزحام و اختلاف الأقدام،و انضاف إليه شدة الخجلة و الحياء من الافتضاح،و الاختزاء عند العرض على