إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٥١
إحیاء علوم الدین جلد ١٦ ، بخش: ج ١٦-كتاب الإملاء ،
(صفحه ٥١)
استروح الضعيف إلى ما يسمع من ذلك،فيتعطل و ينخرم حاله،و ينحل قيده،و بعد هذا فلا يحمل كلام سهل إلا على ما يقدر لا على ما يوجد،و لذلك جعله مقرونا بحرف لو، الدال على امتناع الشيء،لامتناع غيره،كما يقال:لو كان للإنسان جناحان لطار،و لو كان للسماء درج لصعد عليها،و لو كان البشر ملكا لفقد الشهوات،فعلى هذا يخرج كلام سهل في ظاهر العلم.
فصل
و أما خطاب العقلاء للجمادات فغير مستنكر فقديما ندب الناس الديار،
و سألوا الأطلال و استخبروا الآثار و قد جاء في أشعار العرب و كلامها من ذلك كثير و في حديث النبي صلى اللّه عليه و سلم«أسكن أحد فإنّما عليك نبيّ و صدّيق و شهيدان»و قال بعضهم:
اسأل الأرض تخبرك عمن شق أنهارها،و فجر بحارها،و فتق أهواءها،و رتق أجواءها و أرسى جبالها،إن لم تجبك أجابتك اعتبارا،و إنما الذي يتوقف على الأذهان و يتحير في قوله السامعون،و تتعجب منه العقول،هو كيفية كلام الجمادات و الحيوانات الصامتات،ففي هذا وقع الإنكار،إذ اضطرب النظار،و كذب في تصحيح وجوده و السمع من الاعتبار،و لكن لتعلم أن تلقى الكلام للعقلاء،ممن لم يعقل عنه في المشهود يكون على جهات،من ذلك سماع الكلام الذاتي،كما تتلقى من أهل النطق إذا قصدوا إلى نظم اللفظ،و ذلك أكثر ما يكون للأنبياء و الرسل صلوات اللّه عليهم في بعض الأوقات،كحنين الجذع للنبي صلى اللّه عليه و سلم،و كان حجر يسلم عليه في طريقه قبل مبعثه و منها تلقى الكلام في حسن السامع من غير أن يكون له وجود من خارج الحس.
و يعترى هذا سائر الحواس،كمثل ما يسمع النائم في منامه،من مثال شخص من غير مثال و المثال المرئي للنائم ليس له وجود في سمعه،و أما ما يجده غير النائم في اليقظة فمنها خاصة و عامة،فقد ورد أن الحجر في زمن عيسى ينادى المسلم يا مسلم خلفي يهودي فاقتله،و ان لم يخلق اللّه تعالى للحجر حياه و نطقا،و يذهب عنه معنى الحجرية،أو يوكل بالحجر من يتكلم عنه ممن يستر عن الأبصار في العادة من الملائكة و الجن،أو يكون كلام يخلقه اللّه