إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٥٣
إحیاء علوم الدین جلد ١٦ ، بخش: ج ١٦-كتاب الإملاء ،
(صفحه ٥٣)
الأشعري،إذ سمعه يترنم بالقرءان«لقد أعطي مزمارا من مزامير آل داود» و مزامير آل داود قد عدمت و ذهبت،و إنما شبه صوته بها،و كما إذا سمع المريد صوت مزمار،أو عود فجأة على غير قصد،يتخيل صرير أبواب الجنة و شبهها،بما فجأ صوته من ذلك فهذه مراتب الوجود،فأنت إذا أحسنت التصرف بين أساليبها،و لم يعترك غلط في بعضها ببعض،و لا اشتبهت عليك،و سمعت عمن نظر بمشكاة نور اللّه تعالى إلى كاغد، و قد رآه أسود وجهه بالحبر،فقال له ما بال وجهك و قد كان أبيض أشقر مونقا،و الآن قد ظهر فيه السواد،فلم سوّدت وجهك؟فقال:سل الحبر فإنه كان مجموعا في المحبرة التي هي مستقره و وطنه،فسافر عن الوطن،و نزل بساحة وجهي ظلما و عدوانا،فقال:
صدقت،ثم أنت إذا سمعت أمثال هذه المراجعات اعمل الفكر،و جدد النظر،و حل الكلام إلى أجزائه التي ينتظم منها جملة ما بلغك،فسأل عن معنى الناظر،و معنى المشكاة و معنى نور اللّه سبحانه،و ما سبب أنه لم يعرف الناظر الكتابة و المكتوب،و بأي لسان خاطب الكاغد،و كيف مخاطبة الكاغد،و هو ليس من أهل النطق،و فيما صدق الناطق الكاغد،و لم صدقه بمجرد قوله دون دليل و لا شاهد،فيبدو لك هاهنا من الناظر هو ناظر القلب،فيما أورده عليه الحس،و المشكاة استعارة من مشكاة الزجاجة،التي أعمرت بسراج النار إلى خير المعرفة الملقب بسر القلب،شبيها بها،لأنها مسرجة الرب سبحانه و تعالى شعلها بنوره،و نوره المذكور هاهنا عبارة عن صفاء الباطن،و اشتعال السر بطلوع نيران كواكب المعارف الذاهبة بإذن اللّه تعالى،ظلم جهالات القلوب،و وجه إضافته إلى اللّه تعالى على سبيل الإشارة بالذكر لأجل التخصيص بالشرف،و الكاغد و الحبر كناية عن أنفسهما لا عن غيرهما،و جعلهما مبدأ طريقه،و أول سلوكه.إذ هما في عالم الملك و الشهادة الذي محل جولة الناظر في حال نظره،و أما سبب أنه لم يعرف الكتابة و المكتوب فلأجل أنه كان أميا لا يقرأ الكتاب الصناعى،و إنما يروم معرفة قراءة الخط الإلهي، الذي هو أبين و أدل على الفهم منه،و أما مخاطبة الناظر الكاغد و هو جماد،فسبق الكلام على مثله،و مراجعة الكاغد له،فعلى قدر حال الناظر إن كان مرادا فيلقى الكلام في الحس