إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٢ - الباب الثامن
و لكن حال زيد و عمرو بعينه فلا ينكشف أصلا،فإنا إن عولنا على إيمان زيد و عمرو فلا ندري على ما ذا مات،و كيف ختم له .و إن عولنا على صلاحه الظاهر فالتقوى محله القلب، و هو غامض يخفى على صاحب التقوى،فكيف على غيره،فلا حكم ظاهر الصلاح دون التقوى الباطن قال اللّه تعالى إِنَّمٰا يَتَقَبَّلُ اللّٰهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ [١]فلا يمكن معرفة حكم زيد و عمرو إلا بمشاهدته و مشاهدة ما يجرى عليه.و إذا مات فقد تحول من عالم الملك و الشهادة إلى عالم الغيب و الملكوت،فلا يرى بالعين الظاهرة،و إنما يرى بعين أخرى،خلقت تلك العين في قلب كل إنسان ،و لكن الإنسان جعل عليها غشاوة كثيفة من شهواته و أشغاله الدنيوية، فصار لا يبصر بها،و لا يتصور أن يبصر بها شيئا من عالم الملكوت ما لم تنقشع تلك الغشاوة عن عين قلبه .و لما كانت الغشاوة منقشعة عن أعين الأنبياء عليهم السلام، فلا جرم نظروا إلى الملكوت و شاهدوا عجائبه،و الموتى في عالم الملكوت،فشاهدوهم و أخبروا.
و لذلك[١]رأى رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم ضغطة القبر في حق سعد بن معاذ،و في حق زينب ابنته.و كذلك حال أبي جابر لما استشهد،إذ أخبره أن اللّه أقعده بين يديه ليس بينهما ستر و مثل هذه المشاهدة لا مطمع فيها لغير الأنبياء و الأولياء الذين تقرب درجتهم منهم.
و إنما الممكن من أمثالنا مشاهدة أخرى ضعيفة،إلا أنها أيضا مشاهدة نبوية،و أعنى بها المشاهدة في المنام،و هي من أنوار النبوة.قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم[٢] «الرّؤيا الصّالحة جزء من ستّة و أربعين جزأ من النّبوّة »و هو أيضا انكشاف لا يحصل إلا بانقشاع الغشاوة عن القلب،فلذلك لا يوثق إلا برؤيا الرجل الصالح الصادق.و من كثر كذبه لم تصدق رؤياه ،و من كثر فساده و معاصيه أظلم قلبه فكان ما يراه أضغاث أحلام و لذلك[٣]أمر رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم بالطهارة عند النوم لينام طاهرا،و هو إشارة
[١] المائدة:٢٧