إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١١٦
إحیاء علوم الدین جلد ١٦ ، بخش: ج ١٦-كتاب الإملاء ،
(صفحه ١٦)
المعترض،أو هجس به الخاطر،و إنما المستعمل هاهنا من أنحائه ما تتميز به بعض الأشخاص،بما اختصت به من الأحوال،و كل حالة منها تسمى توحيدا،على جهة تنفرد بها،لا يشاركها فيها غيرها،فمن وجد التوحيد بلسانه يسمى لأجله موحدا ما دام يظن أن قلبه موافق للسانه،و إن علم منه خلاف ذلك سلب عنه الاسم و أقيم عليه ما شرع في الحكم،و من وجد بقلبه على طريق الركون إليه،و الميل إلى اعتقاده و السكون نحوه بلا علم يصحبه فيه،و لا برهان يربط به سمي أيضا موحدا،على معنى أنه يعتقد التوحيد،كما يسمى من يعتقد مذهب الشافعي شافعيا،و الحنبلي حنبليا،و من رزق علم التوحيد و ما يتحقق به عنده،و سعى من أجله بشكوكه العارضة له،فيسمى موحدا،لأنه عارف به،يقال جدلي و نحوي و فقيه،و معناه يعرف الجدل و الفقه و النحو.
و أما من استغرق علم التوحيد قلبه،و استولى على جملته حتى لا يجد فيه فضلا لغيره،إلا على طريق التبعية له،و يكون شهود التوحيد لكل ما عداه،سابقا له مع الذكر و الفكر مصاحبا من غير أن يعتريه ذهول و لا نسيان له،لأجل اشتغاله بغيره كالعادة في سائر العلوم،فهذا يسمى موحدا،و يكون القصد بالمسمى من ذلك المبالغة فيه فأما الصنف الأول:و هم أرباب النطق المفرد،فلا يضربون في التوحيد بسهم، و لا يفوزون منه بنصيب،و لا يكون لهم شيء من أحكام أهله في الحياة إلا ما دام الظن بهم،ان قلب أحدهم موافق للسانه،كما يفرد القول عليه بعد هذا إن شاء اللّه عز و جل و أما الصنف الثاني:و هم أرباب الاعتقاد الذين سمعوا النبي صلى اللّه عليه و سلم أو الوارث أو المبلغ،يخبر عن توحيد اللّه عز و جل،أو يأمر به،و يلزم البشر قول لا إله إلا اللّه المنبئ عنه،فقبلوا ذلك،و اعتقدوه على الجملة،من غير تفصيل و لا دليل، فنسبوا إلى التوحيد،و كانوا من أهله بمنزلة مولى القوم الذي هو منهم،و بمنزلة من كثّر سواد قوم فهو منهم و أما الصنف الثالث و الرابع:فهم أرباب البصائر السليمة،الذين نظروا بها إلى أنفسهم،ثم إلى سائر أنواع المخلوقات فتأملوها،فرأوا،على كل منها خطا منطبعا