إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٠٦
إحیاء علوم الدین جلد ١٦ ، بخش: ج ١٦-كتاب الإملاء ،
(صفحه ٦)
و أما الوصية:فنقصد فيها تعريف ما على من نظر في كلام الناس و آخذ نفسه بالإطلاع على أغراضهم فيما ألّفوه،من تصانيفهم و كيف يكون نظره فيها و اطلاعه عليها و اقتباسه منها،فذلك أؤكد عليه أن يتعلمه من ظهورها،فشردوا عنها، و غلقت في وجوههم الأبواب،و أسدل دونهم الحجاب،و لو أتوها من أبوابها بالترحيب،و ولجوا على الرضا بالحبيب،لكشف لهم كثير من حجب الغيوب، وَ اللّٰهُ يَهْدِي مَنْ يَشٰاءُ إِلىٰ صِرٰاطٍ مُسْتَقِيمٍ [١]
المقدمة
اعلم أن الألفاظ المستعملة،منها ما يستعمله الجماهير و العموم،و منها ما يستعمله أرباب الصنائع، و الصنائع على ضربين،علمية و عملية،فالعملية كالمهن و الحرف،و لأهل كل صناعة منهم ألفاظ يتفاهمون بها آلاتهم،و يتعاطون أصول صناعتهم، و العلمية هي العلوم المحفوظة بالقوانين المعدلة،بما تحرر من الموازين،و لأهل كل علم أيضا ألفاظ اختصوا بها لا يشاركهم فيها غيرهم،إلا أن يكون ذلك بالاتفاق من غير قصد،و تكون المشاركة إذا اتفقت إما في صورة اللفظ دون المعنى أو في المعنى و صورة اللفظ جميعا،و هذا يعرفه من بحث عن مجاري الألفاظ عند الجمهور،و أرباب الصنائع،و إنما سمينا من العلوم صنائع ما قصد فيها التصنع بالترتيب في التقسيم،و اختيار لفظ دون غيره،و حد بطرفين،مبدأ و غاية،و ما لم يكن كذلك فلا نسميه صناعة،كعلوم الأنبياء صلوات اللّه عليهم و الصحابة رضي اللّه عنهم،فإنهم لم يكونوا فيما عندهم من العلم على طريق من بعدهم و لا كانت العلوم عندهم بالرسم الذي هو عند من خلفهم،و مثل ذلك علوم العرب و لسانها،لا نسميها عندهم صناعة و نسميها بذلك عند ضبطها،بما اشتهر من القوانين و تقرر من الحصر و الترتيب،و لأرباب العلوم الروحانية و أهل الإشارات إلى الحقائق و المسلمين بالسادة،و الملقبين بالصوفية،و المتشبهين بالفقراء،و المعروفين
[١] النور:٤٦