إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٥٤ - بيان
فقال أنا من المجرمين و لست من المتقين أعد عليّ القول أيها القارئ.فأعادها عليه،فشهق شهقة فلحق بالآخرة،و قرئ عند يحي البكّاء (وَ لَوْ تَرىٰ إِذْ وُقِفُوا عَلىٰ رَبِّهِمْ [١]) فصاح صيحة مكث منها مريضا أربعة أشهر يعاد من أطراف البصرة و قال مالك بن دينار :بينما أنا أطوف بالبيت،إذ أنا بجويرية متعبدة،متعلقة بأستار الكعبة،و هي تقول.يا رب كم شهوة ذهبت لذّاتها و بقيت تبعاتها!يا رب أما كان لك أدب و عقوبة إلا النار!و تبكي.فما زال ذلك مقامها حتى طلع الفجر.قال مالك.فلما رأيت ذلك وضعت يدي على رأسي صارخا أقول.ثكلت مالكا أمّه و روي أن الفضيل رؤي يوم عرفة و الناس يدعون،و هو يبكى بكاء الثكلى المحترقة حتى إذا كادت الشمس تغرب،قبض على لحيته،ثم رفع رأسه إلى السماء و قال وا سوأتاه منك و إن غفرت.ثم انقلب مع الناس.و سئل ابن عباس رضى اللّه عنهما عن الخائفين فقال.قلوبهم بالخوف قرحة،و أعينهم باكية،يقولون كيف نفرح و الموت من ورائنا، و القبر أمامنا،و القيامة موعدنا،و على جهنم طريقنا،و بين يدي اللّه ربنا موقفنا و مرّ الحسن بشاب و هو مستغرق في ضحكه،و هو جالس مع قوم في مجلس،فقال له الحسن.يافتى،هل مررت بالصراط؟قال لا.قال فهل تدري إلى الجنة تصير أم إلى النار؟ قال لا.قال:فما هذا الضحك؟قال فما رؤي ذلك الفتى بعدها ضاحكا و كان حماد بن عبد ربه إذا جلس جلس مستوفزا على قدميه،فيقال له لو اطمأننت؟ فيقول:تلك جلسة الآمن،و أنا غير آمن إذ عصيت اللّه تعالى و قال عمر بن عبد العزيز:إنما جعل اللّه هذه الغفلة في قلوب العباد رحمة،كيلا يموتوا من خشية اللّه تعالى.و قال مالك بن دينار :لقد هممت إذا أنامت آمرهم أن يقيدونى و يغلونى،ثم ينطلقوا بي إلى ربي كما ينطلق بالعبد الآبق إلى سيده و قال حاتم الأصم:لا تغتر بموضع صالح،فلا مكان أصلح من الجنة،و قد لقى آدم عليه السلام فيها ما لقي.و لا تغتر بكثرة العبادة.فإن ابليس بعد طول تعبده لقي ما لقي و لا تغتر بكثرة العلم،فإن بلعام كان يحسن اسم اللّه الأعظم،فانظر ما ذا لقي ،و لا تغتر برؤية الصالحين
[١] الأنعام:٣٠