إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٩٥
بغير كسب،أ هو حرام أو مباح أو مندوب؟فاعلم أن ذلك ليس بحرام،لأن صاحب السياحة في البادية إذا لم يكن مهلكا نفسه فهذا كيف كان لم يكن مهلكا نفسه حتى يكون فعله حراما بل لا يبعد أن يأتيه الرزق من حيث لا يحتسب،و لكن قد يتأخر عنه،و الصبر ممكن إلى أن يتفق،و لكن لو أغلق باب البيت على نفسه بحيث لا طريق لأحد إليه ففعله ذلك حرام. و إن فتح باب البيت و هو بطال غير مشغول بعبادة فالكسب و الخروج أولى له،و لكن ليس فعله حراما إلا أن يشرف على الموت،فعند ذلك يلزمه الخروج و السؤال و الكسب.و إن كان مشغول القلب باللّه،غير مستشرف إلى الناس،و لا متطلع إلى من يدخل من الباب فيأتيه برزقه،بل تطلعه إلى فضل اللّه تعالى و اشتغاله باللّه،فهو أفضل.و هو من مقامات التوكل.و هو أن يشتغل باللّه تعالى،و لا يهتم برزقه،فإن الرزق يأتيه لا محالة. و عند هذا يصح ما قاله بعض العلماء،و هو أن العبد لو هرب من رزقه لطلبه،كما لو هرب من الموت لأدركه.و أنه لو سأل اللّه تعالى أن لا يرزقه لما استجاب له و كان عاصيا،و لقال له يا جاهل كيف أخلقك و لا أرزقك!. و لذلك قال ابن عباس رضي اللّه عنهما اختلف الناس في كل شيء إلا في الرزق و الأجل،فإنهم أجمعوا على أن لا رازق و لا مميت إلا اللّه تعالى و قال صلى اللّه عليه و سلم[١]«لو توكّلتم على اللّه حقّ توكّله لرزقكم كما يرزق الطّير تغدو خماصا و تروح بطانا و ازالت بدعائكم الجبال» و قال عيسى عليه السلام:انظروا إلى الطير لا تزرع و لا تحصد و لا تدخر،و اللّه تعالى يرزقها يوما بيوم.فإن قلتم نحن أكبر بطونا فانظروا إلى الأنعام كيف قيض اللّه تعالى لها هذا الخلق للرزق و قال أبو يعقوب السوسي.المتوكلون تجرى أرزاقهم على أيدي العباد بلا تعب منهم و غيرهم مشغولون مكدودون.و قال بعضهم.العبيد كلهم في رزق اللّه تعالى،لكن بعضهم يأكل بذل كالسؤال،و بعضهم بتعب و انتظار كالتجار،و بعضهم بامتهان كالصناع و بعضهم بعز كالصوفية،يشهدون العزيز،فيأخذون رزقهم من يده و لا يرون الواسطة