إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٩٥ - خدمة الفقر للتوسع هلاك
تعمل فيه،و قدر الحاجة يأتيك رفقا بك فلا تغفل عن الفرق بين الرفق و الابتلاء قال اللّه تعالى (إِنّٰا جَعَلْنٰا مٰا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهٰا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً [١]) و قد قال صلى اللّه عليه و سلم[١]«لا حقّ لابن آدم إلاّ في ثلاث طعام يقيم صلبه و ثوب يوارى عورته و بيت يكنّه فما زاد فهو حساب» فإذا أنت في أخذ قدر الحاجة من هذه الثلاث مثاب ،و فيما زاد عليه إن لم تعص اللّه متعرض للحساب،و إن عصيت اللّه فأنت متعرض للعقاب و من الاختبار أيضا أن تعزم على ترك لذة من اللذات تقربا إلى اللّه تعالى،و كسرا لصفة النفس،فتأتيك عفوا صفوا لتمتحن بها قوّة عقلك،فالأولى الامتناع عنها،فإن النفس إذا رخص لها في نقض العزم ألفت نقض العهد،و عادت لعادتها،و لا يمكن قهرها،فردّ ذلك مهم،و هو الزهد،فإن أخذته و صرفته إلى محتاج فهو غاية الزهد،و لا يقدر عليه إلا الصديقون و أما إذا كانت حالك السخاء،و البذل،و التكفل بحقوق الفقراء،و تعهد جماعة من الصلحاء ،فخذ ما زاد على حاجتك،فإنه غير زائد على حاجة الفقراء،و بادر به إلى الصرف إليهم،و لا تدخره،فإن إمساكه و لو ليلة واحدة فيه فتنة و اختبار،فربما يحلو في قلبك فتمسكه،فيكون فتنة عليك.
[خدمة الفقر للتوسع هلاك]
و قد تصدى لخدمة الفقراء جماعة اتخذوها وسيلة.إلى التوسع في المال،و التنعم في المطعم و المشرب،و ذلك هو الهلاك.و من كان غرضه الرفق و طلب الثواب به،فله أن يستقرض على حسن الظن باللّه،لا على اعتماد السلاطين الظلمة،فإن رزقه اللّه من حلال قضاه،و إن مات قبل القضاء قضاه اللّه تعالى عنه،و أرضى غرماءه،و ذلك بشرط أن يكون مكشوف الحال عند من يقرضه،فلا يغر المقرض و لا يخدعه بالمواعيد،بل يكشف حاله عنده،ليقدم على إقراضه على بصيرة.و دين مثل هذا الرجل واجب أن يقضى من مال بيت المال، و من الزكاة.و قد قال تعالى (وَ مَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمّٰا آتٰاهُ اللّٰهُ [٢]) قيل معناه
[١] الكهف:٧
[٢] الطلاق:٧