إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٧٨ - بيان
السالفة،أن اللّه تعالى أوحى إلى بعض أنبيائه عليهم السلام:احذر أن أمقتك فتسقط من عينى،فأصبّ الدنيا عليك صبا و لقد كانت عائشة رضي اللّه عنها تفرق مائة ألف درهم في يوم واحد،يوجهها إليها معاوية و ابن عامر و غيرهما،و إن درعها لمرقوع،و تقول لها الجارية لو اشتريت لك بدرهم لحما تفطرين عليه؟و كانت صائمة،فقالت لو ذكرتينى لفعلت.و كان قد أوصاها رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم و قال[١]«إن أردت اللّحوق بي فعليك بعيش الفقراء و إيّاك و مجالسة الأغنياء و لا تنزعى درعك حتّى ترقّعيه» و جاء رجل إلى إبراهيم بن أدهم بعشرة آلاف درهم فأبى عليه أن يقبلها:فألح عليه الرجل،فقال له إبراهيم.أ تريد أن أمحو اسمى من ديوان الفقراء بعشرة آلاف درهم؟ لا أفعل ذلك أبدا رضي اللّه عنه.
بيان
فضيلة خصوص الفقراء من الراضين و القانعين و الصادقين
قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم[٢]«طوبى لمن هدي إلى الإسلام و كان عيشه كفافا و قنع به»و قال صلى اللّه عليه و سلم[٣]«يا معشر الفقراء أعطوا اللّه الرّضا من قلوبكم تظفروا بثواب فقركم و إلاّ فلا»فالأول القانع،و هذا الراضي.و يكاد يشعر هذا بمفهومه أن الحريص لا ثواب له على فقره.و لكن العمومات الواردة في فضل الفقر تدل على أن له ثوابا كما سيأتي تحقيقه .فلعل المراد بعدم الرضا هو الكراهة لفعل اللّه في حبس الدنيا عنه.و رب راغب في المال لا يخطر بقلبه إنكار على اللّه تعالى و لا كراهة في فعله.فتلك الكراهة هي التي تحبط ثواب الفقر