إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٧١ - بيان
فكذلك نعلم أن الفقراء لهم درجات كما سبق،فأما لم كان هذا الفقير الحريص مثلا على نصف سدس درجة الفقير الزاهد،حتى لم يبق له التقدم بأكثر من أربعين سنة إلى الجنة، و اقتضى ذلك التقدم بخمسمائة عام،فليس في قوة البشر غير الأنبياء الوقوف على ذلك إلا بنوع من التخمين،و لا وثوق به.و الغرض التنبيه على منهاج التقدير في أمثال هذه الأمور، فإن الضعيف الإيمان قد يظن أن ذلك يجرى من رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم على سبيل الاتفاق، و حاشا منصب النبوة عن ذلك.و لنرجع إلى نقل الأخبار،فقد قال صلى اللّه عليه و سلم أيضا[١]«خير هذه الأمة فقراؤها و أسرعها تضجعا في الجنة ضعفاؤها»و قال صلى اللّه عليه و سلم[٢]«إنّ لي حرفتين اثنتين فمن أحبهما فقد أحبنى و من أبغضهما فقد أبغضني الفقر و الجهاد».و روي[٣]أن جبريل عليه السلام نزل على رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم فقال يا محمد،إن اللّه عز و جل يقرأ عليك السلام و يقول:أ تحب أن أجعل هذه الجبال ذهبا، و تكون معك أينما كنت؟فأطرق رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم ساعة ثم قال«يا جبريل إنّ الدّنيا دار من لا دار له و مال من لا مال له و لها يجمع من لا عقل له»فقال له جبريل:
يا محمد،ثبتك اللّه بالقول الثابت و روي أن المسيح صلى اللّه عليه و سلم مر في سياحته برجل نائم ملتف في عباءة،فأيقظه و قال يا نائم قم فاذكر اللّه تعالى.فقال ما تريد منى؟إلى قد تركت الدنيا لأهلها.
فقال له فنم إذا يا حبيبي.و مر موسى صلى اللّه عليه و سلم برجل نائم على التراب،و تحت رأسه لبنة،و وجهه و لحيته في التراب،و هو متزر بعباءة:فقال يا رب عبدك هذا في الدنيا ضائع فأوحى اللّه تعالى إليه يا موسى:أما علمت أنى إذا نظرت إلى عبد بوجهي كله زويت عنه الدنيا كلها و عن[٤]أبي رافع أنه قال:ورد على رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم ضيف،فلم يجد عنده