إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٦٣ - بيان
و يسمى ذلك زهدا و لكل واحد منهما درجة في نيل السعادات،و حفظ في الإعانة على الفوز و النجاة و نحن الآن نذكر حقيقة الفقر و الزهد،و درجاتهما،و أقسامهما و شروطهما،و أحكامهما و نذكر الفقر في شرط من الكتاب،و الزهد في شطر آخر منه،و نبدأ بذكر الفقر فنقول
الشطر الأول
من الكتاب في الفقر
و فيه بيان حقيقة الفقر،و بيان فضيلة الفقر مطلقا،و بيان خصوص فضيلة الفقراء و بيان فضيلة الفقير على الغني،و بيان أدب الفقير في فقره،و بيان أدبه في قبوله العطاء،و بيان تحريم السؤال بغير ضرورة،و بيان مقدار الغنى المحرم.للسؤال،و بيان أحوال السائلين، و اللّه الموفق للصواب بلطفه و كرمه
بيان
حقيقة الفقر و اختلاف أحوال الفقير و أساميه
اعلم أن الفقر عبارة عن فقد ما هو محتاج إليه.أما فقد ما لا حاجة إليه فلا يسمى فقرا.و إن كان المحتاج إليه موجودا مقدورا عليه،لم يكن المحتاج فقيرا.و إذا فهمت هذا لم تشك في أن كل موجود سوى اللّه تعالى فهو فقير،لأنه محتاج إلى دوام الوجود في ثاني الحال،و دوام وجوده مستفاد من فضل اللّه تعالى وجوده.فإن كان في الوجود موجود ليس وجوده مستفادا له من غيره فهو الغنى المطلق،و لا يتصور أن يكون مثل هذا الموجود إلا واحدا،فليس في الوجود إلا غني واحد،و كل من عداه فإنهم محتاجون إليه،ليمد وجودهم بالدوام .و إلى هذا الحصر الإشارة بقوله تعالى (وَ اللّٰهُ الْغَنِيُّ وَ أَنْتُمُ الْفُقَرٰاءُ [١]) هذا معنى الفقر مطلقا .لكنا لسنا نقصد بيان الفقر المطلق،بل الفقر من المال على الخصوص و إلا فقر العبد بالإضافة إلى أصناف حاجاته لا ينحصر،لأن حاجاته لا حصر لها.و من جملة حاجاته ما يتوصل إليه بالمال،و هو الذي نريد الآن بيانه فقط،فنقول:
[١] محمد:٣٨