إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٤٣ - بيان
القيامة.فيرى أحوال نفسه،فيأخذه من الحياء و الخوف ما يجل عن الوصف.و ما ذكره صحيح و سبب الرؤيا الصادقة قريب من ذلك.فإن النائم يدرك ما يكون في المستقبل من مطالعة اللوح المحفوظ،و هي جزء من أجزاء النبوة فإذا رجع سوء الخاتمة إلى أحوال القلب و اختلاج الخواطر،و مقلب القارب هو اللّٰه و الاتفاقات المقتضية لسوء الخواطر غير داخلة تحت الاختيار دخولا كليا،و إن كان لطول الإلف فيه تأثير.فبهذا عظم خوف العارفين من سوء الخاتمة،لأنه لو أراد الإنسان أن لا يرى في المنام إلا أحوال الصالحين،و أحوال الطاعات و العبادات،عسر عليه ذلك،و إن كانت كثرة الصلاح و المواظبة عليه مما يؤثر فيه،و لكن اضطرابات الخيال لا تدخل بالكلية تحت الضبط،و إن كان الغالب مناسبة ما يظهر في النوم لما غلب في اليقظة،حتى سمعت الشيخ أبا على الفارمذى رحمة اللّه عليه،يصف لي وجوب حسن أدب المريد لشيخه،و أن لا يكون في قلبه إنكار لكل ما يقوله،و لا في لسانه مجادلة عليه،فقال:حكيت لشيخي أبي القاسم الكرماني مناما لي،و قلت رأيتك قلت لي كذا،فقلت لم ذاك؟قال فهجرنى شهرا و لم يكلمني و قال:لو لا أنه كان في باطنك تجويز المطالبة،و إنكار ما أقوله لك،لما جرى ذلك على لسانك في النوم.و هو كما قال.إذ فلما يرى الإنسان في منامه خلاف ما يغلب في اليقظة على قلبه.فهذا هو القدر الذي نسمح بذكره في علم المعاملة من أسرار أمر الخاتمة،و ما وراء ذلك فهو داخل في علم المكاشفة و قد ظهر لك بهذا أن الأمن من سوء الخاتمة بأن ترى الأشياء كما هي عليه من غير جهل و تزجى جميع العمر في طاعة اللّه من غير معصية.فإن كنت تعلم أن ذلك محال أو عسير، فلا بدّ و أن يغلب عليك من الخوف ما غلب على العارفين،حتى يطول بسببه بكاؤك و نياحتك و يدوم به حزنك و قلقك،كما سنحكيه من أحوال الأنبياء و السلف الصالحين،ليكون ذلك أحد الأسباب المهيجة لنار الخوف من قلبك و قد عرفت بهذا أن أعمال العمر كلها ضائعة إن لم يسلم في النفس الأخير الذي عليه خروج الروح،و أن سلامته مع اضطراب أمواج الخواطر مشكلة جدا،و لذلك كان مطرف بن عبد اللّه يقول.إنى لا أعجب ممن هلك كيف هلك،و لكني أعجب ممن نجا كيف نجا.