إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٢٧ - بيان
المؤمنين.و يحصل لكل واحد من الفريقين خوف،فإن كل عبد فهو واقع في قبضة القدرة،وقوع الصبي الضعيف من مخالب السبع.و السبع قد يغفل بالاتفاق فيخليه،و قد يهجم عليه فيفترسه،و ذلك بحسب ما يتفق.و لذلك الاتفاق أسباب مرتبة بقدر معلوم، و لكن إذا أضيف إلى من لا يعرفه سمي اتفاقا،و إن أضيف إلى علم اللّه لم يجز أن يسمى اتفاقا.و الواقع في مخالف السبع لو كملت معرفته لكان لا يخاف السبع،لأن السبع مسخر إن سلط عليه الجوع افترس،و إن سلط عليه الغفلة خلى و ترك.فإنما يخاف خالق السبع و خالق صفاته.فلست أقول مثال الخوف من اللّه تعالى الخوف من السبع،بل إذا كشف الغطاء علم أن الخوف من السبع هو عين الخوف من اللّه تعالى،لأن المهلك بواسطة السبع هو اللّه فاعلم أن سباع الآخرة مثل سباع الدنيا،و أن اللّه تعالى خلق أسباب العذاب و أسباب الثواب،و خلق لكل واحدا أهلا،يسوقه القدر المتفرع عن القضاء الجزم الأزلي إلى ما خلق له فخلق الجنة و خلق لها أهلا سخروا لأسبابها شاءوا أم أبوا،و خلق النار و خلق لها أهلا سخروا لأسبابها شاءوا أم أبوا.فلا يرى أحد نفسه في ملتطم أمواج القدر إلا غلبه الخوف بالضرورة.فهذه مخاوف العارفين بسر القدر.فمن قعد به القصور عن الارتفاع إلى مقام الاستبصار،فسبيله أن يعالج نفسه بسماع الأخبار و الآثار،فيطالع أحوال الخائفين العارفين و أقوالهم،و ينسب عقولهم و مناصبهم إلى مناصب الراجين و المغرورين،فلا يتمارى في أن الاقتداء بهم أولى لأنهم الأنبياء،و الأولياء،و العلماء.و أما الآمنون فهم الفراعنة،و الجهال و الأغبياء.أما رسولنا صلى اللّه عليه و سلم[١]فهو سيد الأولين و الآخرين[٢]و كان أشد الناس خوفا،حتى روي[٣]أنه كان يصلى على طفل،ففي رواية أنه سمع في دعائه يقول «اللّٰهمّ قه عذاب القبر و عذاب النّار»و في رواية ثانية[٤]أنه سمع قائلا يقول:هنيئا لك