إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٢٠٠
ترك التكسب فقد طعن على التوحيد. فإن قلت فهل من دواء ينتفع به في صرف القلب عن الركون إلى الأسباب الظاهرة،و حسن الظن باللّه تعالى في تيسير الأسباب الخفية؟ فأقول نعم هو أن تعرف أن سوء الظن تلقين الشيطان،و حسن الظنّ تلقين اللّه تعالى قال اللّه تعالى (الشَّيْطٰانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَ يَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشٰاءِ وَ اللّٰهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَ فَضْلاً [١]) فإن الإنسان بطبعه مشغول بسماع تخويف الشيطان و لذلك قيل:الشفيق بسوء الظن مولع.و إذا انضم إليه الجبن،و ضعف القلب،و مشاهدة المتكلين على الأسباب الظاهرة و الباعثين عليها،غلب سوء الظنّ و بطل التوكل بالكلية.بل رؤية الرزق من الأسباب الخفية أيضا تبطل التوكل فقد حكي عن عابد أنه عكف في مسجد و لم يكن له معلوم، فقال له الإمام لو اكتسبت لكان أفضل لك.فلم يجبه حتى أعاد عليه ثلاثا،فقال في الرابعة يهودي في جوار المسجد قد ضمن لي كل يوم رغيفين. فقال:إن كان صادقا في ضمانه فعكوفك في المسجد خير لك.فقال:يا هذا لو لم تكن إماما تقف بين يدي اللّه و بين العباد مع هذا النقص في التوحيد كان خيرا لك،إذا فضلت وعد يهودي على ضمان اللّه تعالى بالرزق و قال إمام المسجد لبعض المصلين:من أين تأكل؟فقال يا شيخ اصبر حتى أعيد الصلاة التي صليتها خلفك ثم أجيبك .و ينفع في حسن الظنّ بمجيء الرزق من فضل اللّه تعالى بواسطة الأسباب الخفية أن تسمع الحكايات التي فيها عجائب صنع اللّه تعالى في وصول الرزق إلى صاحبه،و فيه عجائب قهر اللّه تعالى في إهلاك أموال التجار و الأغنياء و قتلهم جوعا كما روي عن حذيفة المرعشي،و قد كان خدم إبراهيم بن أدهم،فقيل له.ما أعجب ما رأيت منه؟فقال.بقينا في طريق مكة أياما لم نجد طعاما.ثم دخلنا الكوفة.فأوينا إلى مسجد خراب،فنظر إلىّ إبراهيم و قال يا حذيفة،أرى بك الجوع.فقلت هو ما رأى الشيخ فقال علي بدواة و قرطاس.فجئت به إليه فكتب.بسم اللّه الرحمن الرحيم.أنت المقصود إليه بكل حال؛و المشار إليه بكل معنى. و كتب شعرا
أنا حامد أنا شاكر أنا ذاكر أنا جائع أنا ضائع انا عارى
هي ستة و أنا الضمين لنصفها فكن الضمين لنصفها يا بارى
[١] البقرة:٢٦٨