إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٩٨
دانقا،و لا أستريح منه إلى قيراط أدخل به الحمام،بل أخرجه كله قبل الليل.و كان الجنيد لا يتكلم في التوكل بحضرته،و كان يقول أستحى أن أتكلم في مقامه و هو حاضر عندي. و اعلم أن الجلوس في رباطات الصوفية مع معلوم بعيد من التوكل.فإن لم يكن معلوم و وقف،و أمروا الخادم بالخروج للطلب لم يصح معه التوكل إلا على ضعف،و لكن يقوى بالحال و العلم كتوكل المكتسب.
و إن لم يسألوا بل قنعوا بما يحمل إليهم فهذا أقوى في توكلهم.لكنه بعد اشتهار القوم بذلك،فقد صار لهم سوقا،فهو كدخول السوق و لا يكون داخل السوق متوكلا إلا بشروط كثيرة كما سبق فإن قلت:فما الأفضل أن يقعد في بيته أو يخرج و يكتسب؟فاعلم أنه إن كان يتفرغ بترك الكسب لفكر،و ذكر،و إخلاص،و استغراق وقت بالعبادة،و كان الكسب يشوش عليه ذلك،و هو مع هذا لا تستشرف نفسه إلى الناس في انتظار من يدخل عليه فيحمل إليه شيئا، بل يكون قوى القلب في الصبر و الاتكال على اللّه تعالى،فالقعود له أولى: و إن كان يضطرب قلبه في البيت و يستشرف إلى الناس فالكسب أولى،لأن استشراف القلب إلى الناس سؤال بالقلب،و تركه أهم من ترك الكسب. و ما كان المتوكلون يأخذون ما تستشرف إليه نفوسهم ، كان أحمد بن حنبل قد أمر أبا بكر المروزي أن يعطى بعض الفقراء شيئا فضلا عما كان استأجره عليه،فرده فلما ولّى قال له أحمد.الحقه و أعطه فإنه يقبل فلحقه و أعطاه فأخذه.فسأل أحمد عن ذلك فقال.كان قد استشرفت نفسه فرد،فلما خرج انقطع طمعه و أيس فأخذ و كان الخواص رحمه اللّه إذا نظر إلى عبد في العطاء أو خاف اعتياد النفس لذلك لم يقبل منه شيئا.و قال الخوّاص بعد أن سئل عن أعجب ما رآه في أسفاره.رأيت الخضر و رضي بصحبتى، و لكني فارقته خيفة أن تسكن نفسي إليه فيكون نقصا في توكلي. فإذا المكتسب إذا راعى آداب الكسب و شروط نيته كما سبق في كتاب الكسب و هو أن لا يقصد به الاستكثار، و لم يكن اعتماده على بضاعته و كفايته كان متوكلا. فإن قلت فما علامة عدم اتكاله على البضاعة و الكفاية؟فأقول:علامته أنه إن سرقت بضاعته،أو خسرت تجارته أو تعوق أمر من أموره كان راضيا به.و لم تبطل طمأنينته،و لم يضطرب قلبه بل كان حال قلبه في السكون قبله و بعده واحدا.فإن من لم يسكن إلى شيء لم يضطرب لفقده.و من اضطراب لفقد شيء فقد سكن إليه. و كان بشر يعمل المغازل فتركها،و ذلك لأن البعادى كاتبه قال:بلغني أنك