إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٩ - بيان
بيان
أن الأفضل هو غلبة الخوف أو غلبة الرجاء أو اعتدالهما
اعلم أن الأخبار في فضل الخوف و الرجاء قد كثرت و ربما ينظر الناظر إليهما،فيعتريه شك في أن الأفضل أيهما.و قول القائل الخوف أفضل أم الرجاء سؤال فاسد،يضاهي قول القائل الخبز أفضل أم الماء.و جوابه أن يقال الخبز أفضل للجامع،و الماء أفضل للعطشان،فإن اجتمعا نظر إلى الأغلب،فإن كان الجوع أغلب فالخبز أفضل،و إن كان العطش أغلب فالماء أفضل،و إن استويا فهما متساويان:و هذا لأن كل ما يراد لمقصود ففضله يظهر بالإضافة إلى مقصوده لا إلى نفسه.و الخوف و الرجاء دواءان يداوي بهما القلوب ففضلهما بحسب الداء الموجود.فإن كان الغالب على القلب داء الأمن من مكر اللّٰه تعالى و الاغترار به،فالخوف أفضل.و إن كان الأغلب هو اليأس و القنوط من رحمة اللّٰه،فالرجاء أفضل.و كذلك إن كان الغالب على العبد المعصية،فالخوف أفضل و يجوز أن يقال مطلقا الخوف أفضل ،على التأويل الذي يقال فيه الخبز أفضل من السكنجبين،إذا يعالج بالخبز مرض الجوع،و بالسكنجبين مرض الصفراء.و مرض الجوع أغلب و أكثر،فالحاجة إلى الخبز أكثر،فهو أفضل.فبهذا الاعتبار غلبة الخوف أفضل،لأن المعاصي و الاغترار على الخلق أغلب و إن نظر إلى مطلع الخوف و الرجاء،فالرجاء أفضل،لأنه مستقى من بحر الرحمة،و مستقى الخوف من بحر الغضب.و من لاحظ من صفات اللّٰه تعالى ما يقتضي اللطف و الرحمة كانت المحبة عليه أغلب،و ليس وراء المحبة مقام،و أما الخوف فمستنده الالتفات إلى الصفات التي تقتضي العنف،فلا تمازجه المحبة ممازجتها للرجاء و على الجملة فما يراد لغيره ينبغي أن يستعمل فيه لفظ الأصلح لا لفظ الأفضل.فنقول أكثر الخلق الخوف لهم أصلح من الرجاء،و ذلك لأجل غلبة المعاصي.فأما التقى الذي ترك ظاهر الإثم و باطنه،و خفيه و جليه،فالأصح أن يعتدل خوفه و رجاؤه.و لذلك قيل لو وزن خوف المؤمن و رجاؤه لاعتدلا.و روي أن عليا كرم اللّٰه وجهه قال لبعض ولده :