إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٨٧ - بيان
استحكم مرضه،فلا يبعد أن يدوم،و لا يبعد أن يزول. فإن قلت:فهل يبقى مع العبد تدبير و تعلق بالأسباب في هذه الأحوال؟.فاعلم أن المقام الثالث ينفى التدبير رأسا ما دامت الحالة باقية.بل يكون صاحبها كالمبهوت. و المقام الثاني ينفى كل تدبير إلا من حيث الفزع إلى اللّه بالدعاء و الابتهال،كتدبير الطفل في التعلق بأمه فقط.و المقام الأول لا ينفى أصل التدبير و الاختيار،و لكن ينفى بعض التدبيرات،كالمتوكل على وكيله في الخصومة فإنه يترك تدبيره من جهة غير الوكيل،و لكن لا يترك التدبير الذي أشار إليه وكيله به؛أو التدبير الذي عرفه من عادته و سنته دون صريح إشارته.فأما الذي يعرفه بإشارته بأن يقول له.
لست أتكلم إلا في حضورك فيشتغل لا محالة بالتدبير للحضور،و لا يكون هذا مناقضا توكله عليه،إذ ليس هو فزعا منه إلى حول نفسه و قوته في إظهار الحجة،و لا إلى حول غيره،بل من تمام توكله عليه أن يفعل ما رسمه له،إذ لو لم يكن متوكلا عليه و لا معتمدا له في قوله لما حضر بقوله.و أما المعلوم من عادته و اطراد سنته فهو أن يعلم من عادته أنه لا يحاج الخصم إلا من السجل، فتمام توكله إن كان متوكلا عليه أن يكون معوّلا على سنته و عادته و وافيا بمقتضاها،و هو أن يحتمل السجل مع نفسه إليه عند مخاصمة فإذا لا يستغنى عن التدبير في الحضور و عن التدبير في إحضار السجل.و لو ترك شيئا من ذلك كان نقصا في توكله،فكيف يكون فعله نقصا فيه!نعم بعد أن حضر وفاء بإشارة و أحضر السجل وفاء بسنته و عادته.و قعد ناظرا إلى محاجته،فقد ينتهى إلى المقام الثاني و الثالث في حضوره.
حتى يبقى كالمبهوت المنتظر لا يفزع إلى حوله و قوته،إذ لم يبق له حول و لا قوة.و قد كان فزعه إلى حوله و قوته في الحضور و إحضار السجل بإشارة الوكيل و سنته.و قد انتهى نهايته،فلم يبق إلا طمأنينة النفس و الثقة بالوكيل،و الانتظار لما يجرى.و إذا تأملت هذا اندفع عنك كل إشكال في التوكل،و فهمت أنه ليس من شرط التوكل ترك كل تدبير و عمل،و أن كل تدبير و عمل لا يجوز أيضا مع التوكل،بل هو على الانقسام،و سيأتي تفصيله في الأعمال فإذا فزع المتوكل إلى حوله و قوته في الحضور و الإحضار لا يناقض التوكل،لأنه يعلم أنه لو لا الوكيل لكان حضوره و إحضاره باطلا و تعبا محضا بلا جدوى.فإذا لا يصير مفيدا من حيث إنه حوله و قوته،بل من حيث إن الوكيل جعله معتمدا لمحاجّته،و عرّفه ذلك بإشارته