إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٦٣ - بيان
الثانية،و هي الالتفات إلى اختيار الحيوانات في الأفعال الاختيارية،و يقول:كيف ترى الكل من اللّه و هذا الإنسان يعطيك رزقك باختياره،فإن شاء أعطاك،و إن شاء قطع عنك و هذا الشخص هو الذي يحز رقبتك بسيفه،و هو قادر عليك،إن شاء حزّ رقبتك،و إن شاء عفا عنك،فكيف لا تخافه،و كيف لا ترجوه،و أمرك بيده،و أنت تشاهد ذلك و لا تشك فيه؟و يقول له أيضا:نعم إن كنت لا ترى القلم لأنه مسخر،فكيف لا ترى الكاتب بالقلم و هو المسخر له؟ و عند هذا زل أقدام الأكثرين،إلا عباد اللّه المخلصين،الذين لا سلطان عليهم للشيطان اللعين فشاهدوا بنور البصائر كون الكاتب مسخرا مضطرا،كما شاهد جميع الضعفاء كون القلم مسخرا.و عرفوا أن غلط الضعفاء في ذلك كغلط النملة مثلا لو كانت تدب على الكاغذ،فترى رأس القلم يسود الكاغذ!و لم يمتد بصرها إلى اليد و الأصابع فضلا عن صاحب اليد،فغلطت و ظنت أن القلم هو المسود للبياض،و ذلك لقصور بصرها عن مجاوزة رأس القلم لضيق حدقتها فكذلك من لم ينشرح بنور اللّه تعالى صدره للإسلام،قصرت بصيرته عن ملاحظة جبار السموات و الأرض،و مشاهدة كونه قاهرا وراء الكل،فوقف في الطريق على الكاتب و هو جهل محض.بل أرباب القلوب و المشاهدات قد أنطق اللّه تعالى في حقهم كل ذرة في السموات و الأرض!بقدرته التي بها نطق كل شيء،حتى سمعوا تقديسها و تسبيحها للّٰه تعالى،و شهادتها على نفسها بالعجز بلسان ذلق،تتكلم بلا حرف و لا صوت،لا يسمعه الذين هم عن السمع معزولون.و لست أعنى به السمع الظاهر الذي لا يجاوز الأصوات،فإن الحمار شريك فيه،و لا قدر لما يشارك فيه البهائم و إنما أريد به سمعا يدرك به كلام ليس بحرف و لا صوت،و لا هو عربي و لا عجمي فإن قلت.فهذه أعجوبة لا يقبلها العقل،فصف لي كيفية نطقها،و أنها كيف نطقت.
و بما ذا نطقت،و كيف سبحت و قدست،و كيف شهدت على نفسها بالعجز؟ فاعلم أن لكل ذرة في السموات و الأرض مع أرباب القلوب مناجاة في السر.و ذلك مما لا ينحصر و لا يتناهى.فإنها كلمات تستمد من بحر كلام اللّه تعالى الذي لا نهاية له.