إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٦١ - بيان
فكذلك كل ما في الوجود من الخالق و المخلوق له اعتبارات و مشاهدات كثيرة مختلفة.
فهو باعتبار واحد من الاعتبارات واحد،و باعتبارات أخر سواء كثير.و بعضها أشد كثرة من بعض.و مثاله الإنسان، و إن كان لا يطابق الغرض،و لكنه يتنبّه في الجملة على كيفية مصير الكثرة في حكم المشاهدة واحدا و يستبين بهذا الكلام ترك الإنكار و الجحود لمقام لم تبلغه،و تؤمن به إيمان تصديق، فيكون لك من حيث إنك مؤمن بهذا التوحيد نصيب،و إن لم يكن ما آمنت به صفتك.
كما أنك إذا آمنت بالنبوة،و إن لم تكن نبيا،كان لك نصيب منه بقدر قوة إيمانك و هذه المشاهدة التي لا يظهر فيها إلا الواحد الحق تارة تدوم،و تارة تطرأ كالبرق الخاطف و هو الأكثر.و الدوام نادر عزيز.و إلى هذا أشار الحسين بن منصور الحلاج،حيث رأى الخوّاص يدور في الأسفار فقال.فيما ذا أنت؟فقال أدور في الأسفار لأصحح حالتى في التوكل، و قد كان من المتوكلين،فقال الحسين.قد أفنيت عمرك في عمران باطنك،فأين الفناء في التوحيد؟ فكأن الخواص كان في تصحيح المقام الثالث في التوحيد،فطالبه بالمقام الرابع، فهذه مقامات الموحدين في التوحيد على سبيل الإجمال فإن قلت:فلا بد لهذا من شرح بمقدار ما يفهم كيفية ابتناء التوكل عليه فأقول.
أما الرابع: فلا يجوز الخوض في بيانه. و ليس التوكل أيضا مبنيا عليه.بل يحصل حال التوكل بالتوحيد الثالث.و أما الأول:و هو النفاق فواضح.
و أما الثاني:و هو الاعتقاد فهو موجود في عموم المسلمين،و طريق تأكيده بالكلام و دفع حيل المبتدعة فيه مذكور في علم الكلام و قد ذكرنا في كتاب الاقتصاد في الاعتقاد القدر المهم منه و اما للثالث:فهو الذي يبنى عليه التوكل.إذ مجرد التوحيد بالاعتقاد لا يورث حال التوكل، فلنذكر منه القدر الذي يرتبط التوكل به دون تفصيله الذي لا يحتمله أمثال هذا الكتاب و حاصله أن ينكشف لك أن لا فاعل إلا اللّه تعالى،و أن كل موجود من خلق،و رزق، و عطاء،و منع،و حياة،و موت،و غنى،و فقر،إلى غير ذلك مما ينطلق عليه اسم،فالمنفرد بإبداعه و اختراعه هو اللّه عز و جل،لا شريك له فيه.و إذا انكشف لك هذا لم تنظر إلى غيره.