إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٥١ - بيان
إيمانا يباشر قلبي.و قال أبو سليمان:من شغل بنفسه شغل عن الناس،و هذا مقام العالمين.
و من شغل بربه شغل عن نفسه،و هذا مقام العارفين.و الزاهد لا بد و أن يكون في أحد هذين المقامين.و مقامه الأوّل أن يشغل نفسه بنفسه،و عند ذلك يستوي عنده المدح و الدم و الوجود و العدم.و لا يستدل بإمساكه قليلا من المال على فقد زهده أصلا .
قال ابن أبي الحواري :قلت لأبي سليمان.أ كان داود الطائي زاهدا؟قال نعم.قلت قد بلغني أنه ورث عن أبيه عشرين دينارا فأنفقها في عشرين سنة،فكيف كان زاهدا و هو يمسك الدنانير!فقال.أردت منه أن يبلغ حقيقة الزهد!و أراد بالحقيقة الغاية،فإن الزهد ليس له غاية لكثيرة صفات النفس.و لا يتم الزهد إلا بالزهد في جميعها.فكل من ترك من الدنيا شيئا مع القدرة عليه،خوفا على قلبه و على دينه،فله مدخل في الزهد بقدر ما تركه و آخره أن يترك كل ما سوى اللّه،حتى لا يتوسد حجرا،كما فعله المسيح عليه السلام.
فنسأل اللّه تعالى أن يرزقنا من مباديه نصيبا و إن قل،فإن أمثالنا لا يستجرئ على الطمع في غاياته و إن كان قطع الرجاء عن فضل اللّه غير مأذون فيه،و إذا لا حظنا عجائب نعم اللّه تعالى علينا علمنا أن اللّه تعالى لا يتعاظمه شيء،فلا بعد في أن نعظم السؤال اعتمادا على الجود المجاوز لكل كمال فإذا علامة الزهد استواء الفقر و الغنى،و العز و الذل،و المدح و الذم.و ذلك الغلبة الأنس باللّه.و يتفرع عن هذه العلامات علامات أخرى لا محالة،مثل أن يترك الدنيا و لا يبالي من أخذها و قيل علامته أن يترك الدنيا كما هي،فلا يقول أبنى رباطا أو أعمر مسجدا و قال يحيي بن معاذ :علامة الزهد،السخاء بالموجود و قال ابن حفيف:علامته،وجود الراحة في الخروج من الملك و قال أيضا:الزهد هو عزوف النفس عن الدنيا بلا تكليف و قال أبو سليمان:الصوف علم من أعلام الزهد،فلا ينبغي أن يلبس صوفا بثلاثة دراهم،و في قلبه رغبة خمسة دراهم و قال أحمد بن حنبل و سفيان رحمهما اللّه:علامة الزهد،قصر الأمل و قال سرى:لا يطيب عيش الزاهد إذا اشتغل عن نفسه و لا يطيب عيش العارف إذا اشتغل بنفسه