إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٥٠ - بيان
حتى يكمل الزهد في جميع حظوظ النفس من الدنيا .بل قد يدعى جماعة الزهد مع لبس الأصواف الفاخرة.و الثياب الرفيعة،كما قال الخوّاص في وصف المدعين إذ قال:
و قوم ادعوا الزهد،و لبسوا الفاخر من اللباس،يموهون بذلك على الناس ليهدى إليهم مثل لباسهم،لئلا ينظر إليهم بالعين التي ينظر بها إلى الفقراء فيحتقروا،فيعطوا كما تعطى المساكين،و يحتجون لنفوسهم باتباع العلم،و أنهم على السنة،و أن الأشياء داخلة إليهم و هم خارجون منها،و إنما يأخذون بعلة غيرهم.هذا إذا طولبوا بالحقائق،و ألجئوا إلى المضايق.و كل هؤلاء أكلة الدنيا بالدين،لم يعنوا بتصفية أسرارهم،و لا بتهذيب أخلاق نفوسهم،فظهرت عليهم صفاتهم،فغلبتهم،فادعوها حالا لهم.فهم مائلون إلى الدنيا،متبعون للهوى:فهذا كله كلام الخواص رحمه اللّه فإذا معرفة الزهد أمر مشكل.بل حال الزهد على الزهد مشكل.و ينبغي أن يعول في باطنه على ثلاث علامات العلامة الأولى:أن لا يفرح بموجود،و لا يحزن على مفقود.كما قال تعالى (لِكَيْلاٰ تَأْسَوْا عَلىٰ مٰا فٰاتَكُمْ وَ لاٰ تَفْرَحُوا بِمٰا آتٰاكُمْ [١]) بل ينبغي أن يكون بالضد من ذلك،و هو أن يحزن بوجود المال،و يفرح بفقده العلامة الثانية:أن يستوي عنده ذامّه و مادحه.فالأوّل علامة الزهد في المال و الثاني علامة الزهد في الجاه العلامة الثالثة:أن يكون أنسه بالله تعالى،و الغالب على قلبه حلاوة الطاعة.إذ لا يخلو القلب عن حلاوة المحبة.إما محبة الدنيا.و إما محبة اللّه.و هما في القلب كالماء و الهواء في القدح فالماء إذا دخل خرج الهواء،و لا يجتمعان .و كل من أنس باللّه اشتغل به،و لم يشتغل بغيره.
و لذلك قيل لبعضهم.إلى ما ذا أفضى بهم الزهد؟فقال.إلى الأنس بالله فأما الأنس بالدنيا و باللّه فلا يجتمعان.و قد قال أهل المعرفة.إذا تعلق الإيمان بظاهر القلب أحب الدنيا و الآخرة جميعا،و عمل لهما .و إذا بطن الإيمان في سويداء القلب و باشره،أبغض الدنيا،فلم ينظر إليها،و لم يعمل لها.و لهذا ورد في دعاء آدم عليه السلام.اللهم إنى أسألك
[١] الحديد:٢٣