إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٥ - بيان
و قال يحيى بن معاذ رحمة اللّه عليه:مسكين ابن آدم،لو خاف النار كما يخاف الفقر دخل الجنة.و قال ذو النون رحمه اللّه تعالى:من خاف اللّه تعالى ذاب قلبه.و اشتهد للّٰه حبه،و صح له لبه .و قال ذو النون أيضا:ينبغي أن يكون الخوف أبلغ من الرجاء،فإذا غلب الرجاء تشوش القلب.و كان أبو الحسين الضرير يقول:علامة السعادة خوف الشقاوة، لأن الخوف زمام بين اللّه تعالى و بين عبده،فإن انقطع زمامه هلك مع الهالكين و قيل ليحيى بن معاذ:من آمن الخلق غدا؟فقال:أشدهم خوفا اليوم.و قال سهل رحمه اللّه:لا تجد الخوف حتى تأكل الحلال.و قيل للحسن:يا أبا سعيد،كيف نصنع؟نجالس أقواما يخوفوننا حتى تكاد قلوبنا تطير.فقال:و اللّه إنك إن تخالط أقواما يخوفونك حتى يدركك أمن،خير لك من أن تصحب أقواما يؤمنونك حتى يدركك الخوف.و قال أبو سليمان الداراني رحمه اللّه:ما فارق الخوف قلبا إلا خرب و قالت[١]عائشة رضى اللّه عنها.قلت يا رسول اللّه (الَّذِينَ يُؤْتُونَ مٰا آتَوْا وَ قُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ [١]) هو الرجل يسرق و يزني ؟قال«لا بل الرّجل يصوم و يصلّى و يتصدّق و يخاف أن لا يقبل منه».و التشديدات الواردة في الأمن من مكر اللّٰه و عذابه لا تنحصر.
و كل ذلك ثناء على الخوف،لأن مذمة الشيء ثناء على ضده الذي ينفيه،و ضد الخوف الأمن، كما أن ضد الرجاء اليأس.و كما دلت مذمة القنوط على فضيلة الرجاء،فكذلك تدل مذمة الأمن على فضيلة الخوف المضادّ له.بل نقول كل ما ورد في فضل الرجاء فهو دليل على فضل الخوف، لأنهما متلازمان،فإن كل من رجا محبوبا فلا بد و أن يخاف فوته،فإن كان لا يخاف فوته فهو إذا لا يحبه فلا يكوب بانتظاره راجيا فالخوف و الرجاء متلازمان يستحيل انفكاك أحدهما عن الآخر .نعم يجوز أن يغلب أحدهما على الآخر و هما مجتمعان،و يجوز أن يشتغل القلب بأحدهما و لا يلتفت إلى الآخر في الحال لغفلته عنه، و هذا لأن من شرط الرجاء و الخوف تعلقهما بما هو مشكوك فيه،إذ المعلوم لا يرجى و لا يخاف
[١] المؤمنون ٦٠