إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٢٩ - بيان
فمن أقصى درجاته زهد عيسى عليه السلام إذ توسد حجرا في نومه، فقال له الشيطان،أما كنت تركت الدنيا،فما الذي بدا لك؟قال و ما الذي تجدد؟قال توسدك الحجر.أي تنعمت برفع رأسك عن الأرض في النوم،فرمى الحجر و قال.خذه مع ما تركته لك و روي عن يحيى بن زكريا عليهما السلام،أنه لبس المسوح حتى ثقب جلده تركا للتنعم بلين اللباس،و استراحة حس اللمس.فسألته أمه أن يلبس مكان المسح جبة من صوف، ففعل.فأوحى اللّه تعالى إليه:يا يحيي،آثرت عليّ الدنيا.فبكى و نزع الصوف،و عاد إلى ما كان عليه و قال أحمد رحمه اللّه تعالى:الزهد زهد أويس،بلغ من العري أن جلس في قوصرة.
و جلس عيسى عليه السلام في ظل حائط إنسان،فأقامه صاحب الحائط،فقال ما لقتنى أنت إنما أقامنى الذي لم يرض لي أن أتنعم بظل الحائط فإذا درجات الزهد ظاهرا و باطنا لا حصر لها .و أقل درجاته الزهد في كل شبهة و محظور و قال قوم:الزهد هو الزهد في الحلال لا في الشبهة و المحظور.فليس ذلك من درجاته في شيء.ثم رأوا أنه لم يبق حلال في أموال الدنيا،فلا يتصوّر الزهد الآن فإن قلت.مهما كان الصحيح هو أن الزهد ترك ما سوى اللّه،فكيف يتصور ذلك مع الأكل،و الشرب،و اللبس،و مخالطة الناس،و مكالمتهم،و كل ذلك اشتغال بما سوى اللّه تعالى فاعلم أن معنى الانصراف عن الدنيا إلى اللّه تعالى هو الإقبال بكل القلب عليه ذكروا و فكرا.و لا يتصور ذلك إلا مع البقاء.و لا بقاء إلا بضروريات النفس.فمهما اقتصرت من الدنيا على دفع المهلكات عن البدن،و كان غرضك الاستعانة بالبدن على العبادة لم تكن مشتغلا بغير اللّه،فإن ما لا يتوصل إلى الشيء إلا به فهو منه،فالمشتغل بعلف الناقة و بسقيها في طريق الحج ليس معرضا عن الحج و لكن ينبغي أن يكون بدنك في طريق اللّه مثل ناقتك في طريق الحج،و لا غرض لك في تنعم ناقتك باللذات.بل غرضك مقصور على دفع المهلكات عنها،حتى تسير بك إلى مقصدك.فكذلك ينبغي أن تكون في صيانة بدنك عن الجوع و العطش المهلك بالأكل و الشرب،و عن الحر و البرد المهلك باللباس و المسكن فتقصر على قدر الضرورة،و لا تقصد التلذذ بل التقوّى على طاعة اللّه تعالى،فذلك لا يناقض الزهد،بل هو شرط الزهد