إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٢٨ - بيان
و قد كان يوسف بن أسباط يقول.من صبر على الأذى،و ترك الشهوات،و أكل الخبز من الحلال،فقد أخذ بأصل الزهد و في الزهد أقاويل وراء ما نقلناه،فلم نر في نقلها فائدة.فإن من طلب كشف حقائق الأمور من أقاويل الناس رآها مختلفة،فلا يستفيد إلا الحيرة،و أما من انكشف له الحق في نفسه،و أدركه بمشاهدة من قلبه،لا بتلقف من سمعه،فقد وثق بالحق،و اطلع على قصور من قصر لقصور بصيرته،و على اقتصار من اقتصر مع كمال المعرفة لاقتصار حاجته.و هؤلاء كلهم اقتصروا لا لقصور في البصيرة،لكنهم ذكروا ما ذكروه عند الحاجة،فلا جرم ذكروه بقدر الحاجة،و الحاجات تختلف،فلا جرم الكلمات تختلف و قد يكون سبب الاقتصار الإخبار عن الحالة الراهنة التي هي مقام العبد في نفسه، و الأحوال تختلف.فلا جرم الأقوال المخبرة عنها تختلف و أما الحق في نفسه فلا يكون إلا واحدا،و لا يتصوّر أن يختلف .و إنما الجامع من هذه الأقاويل،الكامل في نفسه و إن لم يكن فيه تفصيل،ما قاله أبو سليمان الداراني إذ قال:
سمعنا في الزهد كلاما كثيرا،و الزهد عندنا ترك كل شيء يشغلك عن اللّه عز و جل.و قد فصل مرة و قال.من تزوج،أو سافر في طلب المعيشة،أو كتب الحديث،فقد ركن إلى الدنيا.فجعل جميع ذلك ضدا للزهد.و قد قرأ أبو سليمان قوله تعالى (إِلاّٰ مَنْ أَتَى اللّٰهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [١]) فقال هو القلب الذي ليس فيه غير اللّه تعالى.و قال.إنما زهدوا في الدنيا لتفرغ قلوبهم من همومها للآخرة.فهذا بيان انقسام الزهد بالإضافة إلى أصناف المزهود فيه فأما بالإضافة إلى أحكامه فينقسم إلى فرض،و نقل،و سلامة،كما قاله إبراهيم بن أدهم، فالفرض هو الزهد في الحرام.و النفل هو الزهد في الحلال.و السلامة هو الزهد في الشبهات.
و قد ذكرنا تفاصيل درجات الورع في كتاب الحلال و الحرام،و ذلك من الزهد،إذ قيل لمالك بن أنس.ما الزهد؟قال التقوى-.و أما بالإضافة إلى خفايا ما يتركه.فلا نهاية للزهد فيه.إذ لا نهاية لما تتمتع به النفس في الخطرات،و اللحظات،و سائر الحالات.لا سيما خفايا الرياء فإن ذلك لا يطلع عليه إلا سماسرة العلماء.بل الأموال الظاهرة أيضا درجات الزهد فيها الا تتناهى
[١] الشعراء:٨٩