إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٢٤ - بيان
و الدنيا متناهية على القرب.و لو كانت تتمادى ألف ألف سنة صافية عن كل كدر لكان لا نسبة لها إلى نعيم.الأبد.فكيف و مدة العمر قصيرة،و لذات الدنيا مكدرة غير صافية! فأي نسبة لها إلى نعيم الأبد.فإذا لا يلتفت اهد إلى زهده إلا إذا التفت إلى ما زهد فيه و لا يلتفت إلى ما زهد فيه إلا لأنه يراه شيئا معتدا به و لا يراه شيئا معتدّا به إلا لقصور معرفته.فسبب نقصان الزهد نقصان المعرفة فهذا تفاوت درجات الزهد كل درجة من هذه أيضا لها درجات،إذ تصبّر المتزهد يختلف و يتفاوت أيضا باختلاف قدر المشقة في الصبر،و كذلك درجة المعجب بزهده بقدر التفاته إلى زهده.و أما انقسام الزهد بالإضافة إلى المرغوب فيه فهو أيضا على ثلاث درجات:
الدرجة السفلى:أن يكون المرغوب فيه النجاة من النار و من سائر الآلام،كعذاب القبر و مناقشة الحساب،و خطر الصراط و سائر ما بين يدي العبد من الأهوال كما وردت به الأخبار.إذ فيها[١]أن الرجل ليوقف في الحساب حتى لو وردت مائة بعير عطاشا على عرقه لصدرت رواء.فهذا هو زهد الخائفين،و كأنهم رضوا بالعدم لو أعدموا،فإن الخلاص من الألم يحصل بمجرد العدم الدرجة الثانية:أن يزهد رغبة في ثواب اللّه و نعيمه،و اللذات الموعودة في جنته.من الحور،و القصور،و غيرها.و هذا زهد الراجين.فإن هؤلاء ما تركوا الدنيا قناعة بالعدم و الخلاص من الألم،بل طمعوا في وجود دائم و نعيم سرمد لا آخر له الدرجة الثالثة:و هي العليا.أن لا يكون له رغبة إلا في اللّه و في لقائه،فلا يلتفت قلبه إلى الآلام ليقصد الخلاص منها،و لا إلى اللذات ليقصد نيلها و الظفر بها،بل هو مستغرق الهم باللّه تعالى.و هو الذي أصبح و همومه همّ واحد.و هو الموحد الحقيقي الذي لا يطلب غير اللّه تعالى.لأن من طلب غير اللّه فقد عبده،و كل مطلوب معبود و كل طالب عبد بالإضافة إلى مطلبه.و طلب غير اللّه من الشرك الخفي.و هذا زهد المحبين،و هم العارفون،لأنه لا يحب