إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٠٢ - بيان
و لم يبق له سبيل إلى الخلاص،و لم يجد من يعطيه من غير كراهة و أذى،فيباح له ذلك، كما يباح له أكل لحم الخنزير،و أكل لحم الميتة.فكان الامتناع طريق الورعين.و من أرباب القلوب من كان واثقا ببصيرته في الاطلاع على قرائن الأحوال،فكانوا يأخذون من بعض الناس دون البعض.و منهم من كان لا يأخذ إلا من أصدقائه.و منهم من كان يأخذ مما يعطى بعضا و يرد بعضا،كما فعل رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم في الكبش و السمن و الأقط .و كان هذا فيما يأتيهم من غير سؤال،فإن ذلك لا يكون إلا عن رغبة.و لكن قد تكون رغبته طمعا في جاه،أو طلبا للرياء و السمعة،فكانوا يحترزون من ذلك فأما السؤال فقد امتنعوا عنه رأسا إلا في موضعين:
أحدهما:الضرورة،فقد سأل ثلاثة من الأنبياء في موضع الضرورة.سليمان،و موسى، و الخضر عليهم السّلام.و لا شك في أنهم ما سألوا إلا من علموا أنه يرغب في إعطائهم و الثاني:السؤال من الأصدقاء و الإخوان،فقد كانوا يأخذون ما لهم بغير سؤال و استئذان ،لأن أرباب القلوب علموا أن المطلوب رضا القلب لا نطق اللسان،و كانوا قد وثقوا بإخوانهم أنهم كانوا يفرحون بمباسطتهم.فإذا كانوا يسألون الإخوان عند شكهم في اقتدار إخوانهم على ما يريدونه،و إلا فكانوا يستغنون عن السؤال و حد إباحة السؤال أن تعلم أن المسئول بصفة لو علم ما بك من الحاجة لابتدأك دون السؤال،فلا يكون لسؤالك تأثير إلا في تعريف حاجتك.فأما في تحريكه بالحياء.و إثارة داعيته بالحيل فلا.و يتصدى للسائل حالة لا يشك فيها في الرضا بالباطن،و حالة لا يشك في الكراهة.و يعلم ذلك بقرينة الأحوال.فالأخذ في الحالة الأولى حلال طلق،و في الثانية حرام سحت.و يتردد بين الحالتين أحوال يشك فيها،فليستفت قلبه فيها،و ليترك حزاز القلب ،فإنه الإثم.و ليدع ما يريبه إلى ما لا يريبه و إدراك ذلك بقرائن الأحوال سهل على من قويت فطنته،و ضعف حرصه و شهوته.فإن قوي الحرص و ضعفت الفطنة تراءى له ما يوافق غرضه،فلا يتفطن للقرائن الدالة على الكراهة.و بهذه الدقائق يطلع على سر قوله صلى اللّه عليه و سلم[١]«إنّ أطيب ما أكل الرّجل من كسبه»و قد أوتي جوامع الكلم