إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٠ - بيان
اللّٰه تعالى نفسه لصفته و جلاله،و أوصافه التي تقتضي الهيبة لا محالة،فهذا أعلى رتبة و لذلك يبقى خوفه و إن كان في طاعة الصديقين و أما الآخر فهو في عرصة الغرور.و الآمن إن واظب على الطاعات فالخوف من المعصية خوف الصالحين،و الخوف من اللّٰه خوف الموحدين و الصديقين، و هو ثمرة المعرفة باللّٰه تعالى.و كل من عرفه و عرف صفاته علم من صفاته ما هو جدير بأن يخاف من غير جناية.بل العاصي لو عرف اللّٰه حق المعرفة لخاف اللّٰه و لم يخف معصيته و لو لا أنه مخوف في نفسه لما سخره للمعصية،و يسر له سبيلها،و مهد له أسبابها،فإن تيسير أسباب المعصية إبعاد،و لم يسبق منه قبل المعصية معصية استحق بها أن يسخر للمعصية و تجرى عليه أسبابها و لا سبق قبل الطاعة وسيلة توسل بها من يسرت له الطاعات،و مهد له سبيل القربات فالعاصى قد قضى عليه بالمعصية شاء أم أبى،و كذا المطيع .فالذي يرفع محمدا صلّى اللّٰه عليه و سلم إلى أعلى عليين من غير وسيلة سبقت منه قبل وجوده،و يضع أبا جهل في أسفل سافلين من غير جناية سبقت منه قبل وجوده،جدير بأن يخاف منه لصفة جلاله.فإن من أطاع اللّٰه أطاع بأن سلط عليه إرادة الطاعة،و آتاه القدرة.و بعد خلق الارادة الجازمة و القدرة التامة،يصير الفعل ضروريا.و الذي عصى عصى لأنه سلط عليه إرادة قوية جازمة،و آتاه الأسباب و القدرة،فكان الفعل بعد الإرادة و القدرة ضروريا فليت شعري ما الذي أوجب إكرام هذا و تخصيصه بتسليط إرادة الطاعات عليه،و ما الذي أوجب إهانة الآخر و إبعاده بتسليط دواعي المعصية عليه؟و كيف يحال ذلك على العبد؟و إذا كانت الحوالة ترجع إلى القضاء الأزلي من غير جناية و لا وسيلة،فالخوف ممن يقضى بما يشاء و يحكم بما يريد حزم عند كل عاقل .و وراء هذا المعنى سر القدر الذي لا يجوز إفشاؤه و لا يمكن تفهم الخوف منه في صفاته جل جلاله إلا بمثال،لو لا إذن الشرع لم يستجرئ على ذكره ذو بصيرة .فقد جاء في الخبر[١]أن اللّٰه تعالى أوحى إلى داود عليه السلام:يا داود، خفني كما تخاف السبع الضاري.فهذا المثال يفهمك حاصل المعنى،و إن كان لا يقف بك على سببه.فإن الوقوف على سببه وقوف على سر القدر،و لا يكشف ذلك إلا لأهله