الإحكام في أصول الأحكام - ابن حزم - الصفحة ٢٨٢ - الباب الثاني عشر في الأوامر والنواهي الواردة في القرآن والحديث والأخذ بظاهرها وحملها على الوجوب والفور وبطلان التأويل
أجرا واحدا ، معذورة في خطئها بالاجتهاد ، لأنها لم تتعمد المعصية وقد قال عز وجل : * ( ) * وقال عليه السلام : لكل امرئ ما نوى وكلا الطائفتين نوت الخير وقد نص عليه السلام على أن الحاكم إذا اجتهد فأخطأ فله أجر . وكل متكلم في مسألة شرعية ممن له أن يتكلم على الوجه الذي أمر به من الاستدلال الذي لا يشوبه تقليد ولا هوى ، فهو حاكم في تلك المسألة ، لأنه موجب فيها حكما ، وكل موجب حكما فهو حاكم ، وهو داخل في استجلاب الامر بالحديث المذكور .
فإن قال قائل : فلم يأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الطائفة المخطئة عندكم بالإعادة ، إن كانت هي التي صلت العصر في وقتها المعهود ، قبل البلوغ إلى بني قريظة ، وإنما كان وقتها عندكم في ذلك اليوم بعد البلوغ إلى بني قريظة - أي وقت بلغ البالغ إليهم - أو لم يعنف الطائفة المؤخرة للعصر إلى بعد نصف الليل إن كانت هي المخطئة على تأخيرهم صلاة فرض عن وقتها ؟ .
قيل له وبالله تعالى التوفيق : لسنا ندري في أي وقت بلغ خبر الطائفتين المذكورتين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولعل ذلك قد بلغه عليه السلام في اليوم التالي ، وبعد خروج وقت العصر جملة ، ولا إعادة على تارك صلاة بتأول ممن له أن يتأول على الوجه المحمود لا بتقليد ولا بهوى ، ولا إعادة على تارك صلاة عمدا بلا تأول ولا ضرورة حتى يخرج وقتها ، وأما المتأول فمعذور ولا يكلف إلا ما علم ، وأما العامد فذنبه أجل من أن نأمره نحن بكفارة أو بصلاة لم يأمره الله تعالى بها ، ولا يحل لنا ولا لغيرنا تعدي حدود الله عز وجل بأن نلزمه فرضا لم يأذن به الله تعالى ، ونسقط عنه بذلك فرضا قد أمره الله تعالى به ، ونعوذ بالله تعالى من ذلك ، وأمره إلى خالقه لا إلينا ، وسيرد على ذي مغفرة واسعة ، وذي عقاب أليم ، حيث لا يضيع له شئ ، ولا يجمع عنده شئ ، فعند الموازين يعرف كل امرئ ما له وما عليه ، نسأل الله عفوه وغفرانه في ذلك الموقف آمين .
قال علي : وقد أنكر رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي سعيد بن المعلى إذ ناداه فلم يستجب له - وكان في صلاة - فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ألم يقل الله تعالى : * ( يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم ) * .