دلائل النبوة - الأصبهاني، أبو نعيم - الصفحة ٣٤ - مقدّمة
و معنى الوحي: من الوحا و هو العجلة، فلما كان الرسول متعجلا لما يفهم، قيل لذلك التفهم «و حي»، و له مراتب و وجوه في القرآن.
و حي إلى الرسول: و هو أن يخاطبه الملك شفاها، أو يلقي في روعه، و ذلك قوله عزّ و جل وَ ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ [١] يريد بذلك خطابا يلقي فهمه في قلبه حتى يعيه و يحفظه و ما عداه من غير خطاب، إنّما هو ابتداء إعلام و إلهام و توقيف من غير كلام و لا خطاب كقوله تعالى وَ أَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ [٢] وَ أَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى [٣] و ما في معناهما.
ثمّ إنّ هذه النبوة التي هي السفارة لا تتم إلّا بخصائص أربعة يهبها اللّه عزّ و جل لهم، كما أنّ إزالة علل العقول لا تتم إلّا بالسلامة من آفات أربعة يعصم منها، فالسفير السعيد بالمواهب الأربعة سليم عن الآفات الأربعة، و العاقل السليم من الآفات الأربعة ليس بسعيد بالمواهب الأربعة.
فالمواهب الأربعة: أوّلها: الفضيلة النوعية. و ثانيها: الفضيلة الإكرامية. و ثالثها: الإمداد بالهداية. و رابعها: التثقيف عند الزلة.
و الآفات الأربعة التي يعصم منها السّليم من الأولياء. أولها: الكفر باللّه عزّ و جل، و ثانيها: التقوّل على اللّه، و ثالثها: الفسق في أوامر اللّه، و رابعها: الجهل بأحكام اللّه.
فمعنى الفضيلة النوعية: أنّ الأحسن في سير الملوك و الأحمد في حكمهم أنّهم لا يرسلون مبلّغا عنهم إلّا الأفضل، المستقلّ بأثقال الرسالة، قد ثقفته خدمته، و خرجته أيامه، و العقول تشهد أنّ مثله مقيضا مرتادا عند المرسل لمثله في الإبلاغ و التأدية عنه، فاللّه الحكيم القدير لا يختار للرسالة
[١] الشورى ٥١.
[٢] النحل ٦٨.
[٣] القصص ٧.