دلائل النبوة - الأصبهاني، أبو نعيم - الصفحة ٣٢ - مقدّمة
خير مبعوث ختم به الرسالة، و غنم بالتصديق به النبالة و الجلالة، و قرن اسمه باسمه، و رفع فكره لذكره، محمد سيد الأولين و الآخرين، و خاتم الأنبياء و المرسلين، (صلوات اللّه عليهم أجمعين)، ما عبد عابد و سجد ساجد.
أما بعد: فقد سألتم- عمر اللّه بالبصائر طويّاتكم، و نوّر في المسير إلى وفاقه أوعيتكم و نياتكم- جمع المنتشر من الروايات في النبوة، و الدلائل و المعجزات، و الحقائق، و خصائص المبعوث محمد (صلى اللّه عليه و سلم) بالسناء الساطع، و الشفاء النافع، الذي استضاء به السّعداء، و اشتفى به الشّهداء، و استوصل دونه البعداء، فاستعنت باللّه و استوفقته [١]، و به الحول و القوّة و هو القوي العزيز.
[٢] [و اعلموا- وفقكم اللّه- أنّ الخالق الحكيم أنشأ الخلق مختلفي الصور و الجواهر، متفاوتي الأمزجة و البصائر، أجزاؤهم في الطبيعة و القوّة متفاضلة، و أخلاقهم في النظر و الاعتبار متفاوتة، فمن معتدل في امتزاجه، مستغن بصحته عن الأطباء و العقاقير، و متوسط في الاعتدال يطيّبه القليل من الأباريز، و ساقط رذيل لا يقيمه العزيز من العناصر، كذلك الأرواح: منهم صاف ذكي، بالحكمة مشغوف، و إلى التعرف و التبصّر ملهوف، حريص على ما استبق إليه السعداء. و منها: روح أكدر بطيء، عن المعارف و البصائر معصوف، و عن الآيات و العبر مصروف، خميص إلى [٣] ما استلده البعداء. و منها: روح متوسط، حطّ به عن كمال الصّفاء و الذكاء، و نحّى به من تلال الكدر و العمى.
فلتفاوت الأشباح و الأرواح اختلفت الأقوال و الأحوال، فالمحنوّ بصافي
[١] استوفقته: طلبت منه التوفيق.
[٢] الكلام الطويل المحصور بين هذين الحاصرين ليس موجودا في مخطوطة «باتنه» و قد أخذناه من مخطوطة القاهرة، حرصا منا على إيراد المقدمة التي وضعها أبو نعيم كاملة.
[٣] آخذ بما.