دلائل النبوة - الأصبهاني، أبو نعيم - الصفحة ٣٣ - مقدّمة
الأرواح يحنّ جوهره دائما إلى صفوة الروحانية الذين هم سكان العلى في السموات، و المحنوّ بكدر الأرواح يميل جوهره دائما إلى مماثلة المسخّرة من البهائم و الأنعام، المركبة من الكدر و الظّلمات، فإذا اختلفت الأبنية و الأمزجة فالمخلوق [١] على أعدل الترتيب و أصفى التركيب من لباب البشر و صباب النّشر من ارتاح للتألّه و الصّلاح و اهتنّ للتشمير، و الصلاح مخصوص بالبشارة و النذارة، مقصود بالنّفث و الإيماء من الكرام البررة، ممد بالموهبة اللاهية الأثرة العلوية، و يسعد بالقبول منه المتوسط من المقبلين، و يحجب بالنفور عنه و التكبر عنه العماة من المدبرين، فأولئك المقصودون هم الدعاة من الأولياء و السادة من الرسل و الأنبياء.
فالنبوة: سفارة العبد بين اللّه تعالى و بين الألباب من خليقته، و لهذا توصف أبدا بالرسالة و البعثة.
و قيل: إنّ النبوة إزاحة علل ذوي الألباب فيما تقصر عقولهم عنه من مصالح الدارين، و لهذا يوصف دائما بالحجّة و الهداية ليزيح بها عللهم على سبيل الهداية و التثقيف.
و معنى النبي: هو ذو النبأ و الخبر، أي يكون مخبرا عن اللّه عزّ و جل بما خصّه به من الوحي.
و قيل: إنّها مشتقّة من «النّبوة» التي هي المكان المرتفع عن الأرض، و هو أن يخصّ بضرب من الرفعة، فجعل سفيرا بين اللّه و بين خلقه، يعني بذلك وصفه بالشرف و الرفعة.
و من جعل النبوة من الإنباء التي هي الإخبار لم يفرّق بين النبوة و الرسالة.
و معنى الرسول: فهو المرسل، فعول على لفظ مفعل، و إرساله: أمره إياه بإبلاغ الرسالة و الوحي.
[١] في الأصل «فالمخبول» و الصواب ما ذكرنا.