المهدي حقيقة ... لاخرافة - محمد بن اسماعيل - الصفحة ١٠١ - هل فى القرآن إشارة إلى المهدى؟
و اعتبروها أدلة يقينية مع أنها آحاد.
ثم إن الاعتبار في الإجماع على كل فن بأهله المشتغلين به، فلا تضر مخالفة من أعرض عنه و اشتغل بغيره، كما لا تضر مخالفة أهل الطب و العربية و أهل الكلام في هذا الباب، لعدم أهليتهم لمعرفة طرقه، و متونه، و نقلته، و نحو ذلك.
ثم إنه لا يراد أيضا بالإجماع اتفاق كل فرد من الأمة على العمل بكل فرد من أحاديث الصحيحين، فقد استثنى ابن حجر و غيره ما تعقبهما عليه أحد الحفاظ، أو وقع التجاذب بين مدلوليه
٢٨٦
.
و لقد أتى على هذين الصحيحين أكثر من أحد عشر قرنا انتشر فيها ذكرهما في أقطار البلاد، و بين طبقات المسلمين، في شرق البلاد و غربها، و ما زال علماء المسلمين ينقلون منهما، و يستدلون بأحاديثهما، و يرجعون إليهما عند التنازع.
و قلّ أن يوجد مؤلّف في العبادات، أو الاعتقادات لعالم معتبر، إلا و فيه ذكر الصحيحين أو مؤلفيهما، أو النقل منهما، أو من أحدهما.
و لم يذكر عن أحد من العلماء المعتبرين طوال هذه القرون الطعن على الشيخين بعدم الحفظ، أو أن ما في الكتابين غير ثابت، أو نحو ذلك.
.. و قد حصل الإجماع قبل ذلك من الصحابة و التابعين و سلف الأمة، على قبول مثل هذه الآحاد، و العمل بها، و ترك الاجتهاد لأجلها، مما يؤكد يقينهم بصحتها، و صدورها عمن نسبت إليه.
و لا تعتبر مخالفة من تأخر عنهم، أو من ليس من أهل صناعتهم، ذلك أن الاعتبار في كل علم بأهله، لا بمن أعرض عنه إلى سواه.
فلا تعتبر مخالفة الخوارج، و المعتزلة، و الشيعة و نحوهم، كما لا تعتبر مخالفة الأطباء و النحاة، و المتكلمين و نحوهم، ممن ليس لهم اشتغال بطرق الحديث و رجاله، و تتبع رواياته و متابعاته، و نحو ذلك مما هو عمل أهل الحديث.
[٢٨٦] «نزهة النظر» ص (١٠) .