الحجة في الفقه - الحائري اليزدي، مهدي - الصفحة ٣٠ - في الوضع
و الواضع الّذي كان بصدد رفع ما يحتاج إليه الإنسان و تسهيل مضايق أمره يركّب من الحروف المتولّدة عن التّنفس ألفاظا و يضع تلك الألفاظ بإزاء ما يتعقله أو يتصوّره الإنسان من أنحاء المعاني و ذلك كلّه للتّفهيم و التّفاهم الّذي يقتضيه المدنيّة الإنسانيّة لكنّه صرف وضع الألفاظ المختلفة للمعاني المتشتّتة المتفرّقة ليس مفيدا في مقام التّفهيم لأنّ تفهيم المعاني المتشتّتة بواسطة الألفاظ المختلفة التي ليس بينها ربط لا يفيد المقصود إذ لا تفيد الألفاظ غير المربوطة إلّا المعاني غير المربوطة كإفادة ألفاظ إنسان، قيام، زيد، علم، قعود، عمرو، معاني، تلك الألفاظ فلا يحصل بها المقصود الّذي تقتضيه حكمة الوضع.
فحكمة الوضع كما تقتضي وضع تلك الألفاظ بإزاء تلك المعانيّ كذلك تقتضي بعينها وضع ألفاظ أخرى لإفادة الارتباط بين المعاني و تلك الألفاظ هي ألفاظ الرّبط الّتي يعبّر عنها بالحروف من قبيل من و إلى و قد و أن في اللّغة العربيّة، فيقال سرت من البصرة إلى الكوفة و إنّ زيدا قائم و الإنسان عالم و أمثال ذلك في العربيّة، كما هو الأمر كذلك في ساير اللّغات و خلاصة الكلام أنّ تفهيم المعاني المرتبطة المعقولة يحتاج إلى الألفاظ المرتبطة الملفوظ ربطها حتّى تفيد المقصود و يحصل بها تفهيم المقاصد على الوجه الّذي قصدها و أرادها المتكلّم فألفاظ الحروف موضوعة بإزاء المعاني الحرفيّة كما أنّ ألفاظ الأسماء موضوعة بإزاء المعاني الاسميّة. هذا تمام ما عندنا في تحقيق الحروف لفظا و معنا.
و أمّا على ما أفاده المحقّق الخراساني (قده) تبعا للمحقّق الرّضيّ (قده) من أنّه لا فرق بين الأسماء و الحروف من حيث المعاني، فيورد عليه أنّه يلزم من ذلك ترادف من و ابتداء بحيث يصحّ استعمال كلّ في مقام الآخر فأجاب عنه بأنّ خصوصيّة الاستقلال في الاسم و الغيريّة في الحرف ناشئتان من قبيل طور الاستعمال. و يمكن أن يوجّه هذه المقالة بهذا التّقرير و هو أنّ الاستعمال من باب الاستفعال و هو بمعنى طلب العمل فيكون معنى استعمال اللّفظ في المعنى هو طلب عمل اللّفظ في المعنى و عمل الألفاظ في المعاني إنّما هو على أنحاء، العمل الإيجاديّ الإيقاعيّ بأن يكون اللفظ بحيث إذا صدر من اللّافظ الّذي كان قاصدا