الحجة في الفقه - الحائري اليزدي، مهدي - الصفحة ١١٢ - الجهة الثّالثة البحث عن حقيقة الطّلب
مخالفة الأمر معتذرا بالشّك في اقتران الطّلب بترخيص التّرك أو اقتران الإرادة بالرّضاية إلى التّرك. و يدلّ على ذلك أيضا قوله تعالى معاقبا على إبليس: «ما منعك ألّا تسجد إذ أمرتك؟» بعد قوله تعالى «و إذ قلنا للملائكة: اسجدوا لآدم» فانّ عتابه تعالى إنّما هو لمخالفة مجرّد أمره بالسّجود مع عدم اقتران الأمر بالتّرخيص و عدمه. و أمّا النّدب و الاستحباب فيحتاج إلى أمر زائد عن الطّلب الصّرف و هو اقترانه بإذن التّرك، و الّذي يؤدّي إليه النّظر هو أنّه بناء على ما قلناه من أنّ نفس الطّلب تمام مناط حكم العقلاء باستحقاق العقوبة يكون حينئذ اقترانه بإذن التّرك ممّا يخالف ما هو تمام المناطيّة و الموضوعيّة لحكم العقلاء و بعبارة أخرى ما هو تمام المناط لحكم العقل باستحقاق العقوبة هو البعث إلى الفعل فينا في ذلك التّرخيص و ربّما يرجع ذلك إلى التّناقض فعلى هذا يمكن أن يقال إنّ الطّلب الإنشائيّ في الاستحبابات ليس إلّا الإرشاد إلى مصلحة راجحة في الفعل كما احتمله صاحب القوانين.
هذا، فبناء على أنّ الطّلب بنفسه يكون مناط استحقاق العقوبة عند المخالفة أو يكون كاشفا عمّا هو تمام المناط يظهر الفرق بين القولين بأنّه لو كان الإرادة الشّديدة هي الملاك لحكم العقل فلو اطّلع العبد على إرادة مولاه بنحو من أنحاء الاطّلاع و لو مع عدم وجود الطّلب الإنشائيّ الكاشف يجب عليه الإتيان بالمراد. و أمّا لو كان الموضوع و الملاك لحكم العقل هو الطّلب بنفسه لا بما هو كاشف عن الإرادة ففي تلك الصّورة لا يحكم العقل باستحقاقه و لو فرض اطّلاعه على إرادة المولى و حيث إنّ ضرورة العقل قاضية باستحقاق العقوبة في تلك الصّور و لو مع عدم الطّلب فيعلم أنّ الإرادة و الاطّلاع عليها هو الموضوع لحكم العقل سواء كان هناك إنشاء الطّلب أو لا فتدبّر.
ثمّ لا يخفى أنّ كشف الطّلب الإنشائيّ عن كيفيّة علّته و أنّه عن مبدئيّة الإرادة أو عن التّوبيخ أو الاستفهام أو غير ذلك ليس من قبيل كشف الألفاظ عن المعاني بالوضع لا حكاية و لا إيجادا، أمّا حكاية فظاهر و أمّا ايجادا فقد عرفت أنّ الطّلب الإنشائيّ ليس