الحجة في الفقه - الحائري اليزدي، مهدي - الصفحة ٢٥ - في الوضع
و أمّا اللّحاظ الذّهني فهو على نحوين: تارة يلاحظ عين ما يكون واقعا في الخارج بدون تصرّف و انتزاع من الذّهن و ذلك بأن يلاحظ هذا الامتداد المعيّن المتناهي الطّرفين بالبصرة و الكوفة مستند إلى الفاعل السّائر من دون تعقّل الوصف الانتزاعيّ من الأوّليّة و الآخريّة و الصّدور ممّا لا حقيقة لها في الخارج فتكون حينئذ القضيّة المعقولة حاكية عمّا هو الواقع في الخارج فتكون تامّة الأجزاء مرتبطة الأجزاء بعضها ببعض كما تكون في الخارج عينا فكأنّ الصّورة الذّهنيّة عين الوجود العينيّ الخارجيّ، فيكون هاهنا نفس هذا الرّبط بين السّير و البصرة و الرّبط بين السّير و الكوفة و بين السّير و الفاعل أي نفس تناهي السّير و انقطاعه المعقول في الذّهن مستند إلى الفاعل يعني من و إلى و الإضافة الفاعليّة المستفادة من سرت. هذا إذا كان اللّحاظ الذّهني مطابقا لما وقع في الخارج طابق النّعل بالنّعل. و تارة أخرى لا يلاحظ كذلك بل يلاحظ علاوة على المفاهيم الّتي لها وجودات خارجيّة مفاهيم أخرى انتزاعيّة أي المفاهيم المنتزعة عن الخصوصيّات و التّعينات الخارجيّة مثلها إذا لاحظ اللاحظ علاوة على السّير و البصرة و الكوفة و الفاعل مفاهيم الأوّليّة و الآخريّة و الصّدور فالمعقول في هذا اللّحاظ سبعة أمور كلّها متشتّتة متفرّقة لا ربط بينها أصلا و ذلك مثل أن يقول القائل: السّير و البصرة و الكوفة و الفاعل و الأوّليّة و الآخريّة و الصّدور.
و معلوم أنّ تلك المفاهيم المتفرّقة ليست إلّا التّصورات الذّهنيّة الّتي تصلح لأن تكون قضيّة حاكية عن الواقعيّات في الخارج.
اللّهمّ إلّا أن ينضمّ إليها روابط يرتبط بين هذه المفاهيم بأن يقال أوّل سيري صدر منّي من البصرة و أخر سيري و انتهائه إلى الكوفة فحينئذ لوحظ أيضا السّير الخاصّ الخارجيّ المنقطع الطّرفين فتكون القضيّة أيضا حاكية عن نفس الأمر. و خلاصة الكلام أنّ تعقّل ما يكون واقعا في الخارج هو بعينه تعقّل الأشياء المرتبطة بعضها ببعض و تكون الرّوابط بينها هي حقيقة الرّبط و ما هو بالحمل الشّائع ربط لا الرّبط بالحمل الأوّلي و الأوّليّة و الآخريّة و الصّدور ليست إلّا صرف مفاهيم الرّبط و مفاهيم الرّبط لا توجب الارتباط بين المفاهيم