الحجة في الفقه - الحائري اليزدي، مهدي - الصفحة ١٨١ - الكلام في الواجب الأصليّ و التّبعيّ
و أمّا استحقاق العقوبة في مخالفة المولى فهو ممّا يحكم به العقل الصّريح لأنّ الخروج عن طور الإطاعة هتك لمقام الرّبوبيّة و في مثل ذلك يحكم العقل البتّة باستحقاق العقاب و معنى الاستحقاق أنّه لو وقع العبد في عقاب المولى لا يستقبحه العقل بل يرى أنّه في محلّه، لا أنّه يعذّبه حتما إذ الاستحقاق للعقوبة غير فعليّتها و العقل يحكم بالاستحقاق لا بوقوع العذاب، فإنّ أبواب الرّحمة و العفو واسعة.
هذا، و لو التزمنا بالاستحقاق في المثوبة فإنّما هى في الواجبات النّفسيّة دون الواجبات الغيريّة، إذ الغيريّات لا نفسيّة لها على حدة كما عرفت، بل باعتبار يمكن دعوى صحّة سلب الوجوب عنها لشدّة اندكاكها في ذويها. نعم، هنا شيء آخر و هو أنّ إتيان المقدّمات مع عدم تعلّق الوجوب الاستقلاليّ بها إذا كان لأجل الإتيان بذي المقدّمة يوجب استحقاق المثوبة فإنّ العقل لا يفرق بين الإتيان بالواجب النّفسيّ و الإتيان بالواجب الغيريّ لأجل إطاعة المولى لا للشّهوات، فإذا كان الباعث للعبد نحو المقدّمات صرف إطاعة أمر ذي المقدّمة و لا داعي له إلّا الامتثال يستحقّ المثوبة لا محالة، على القول بالاستحقاق، فإنّه تحمّل المشقّة في امتثال أمره تعالى و العقل يجد و يرى الفرق بين من تحمّل المشقّة بإتيان مقدّمات كثيرة للواجب النّفسي و مات قبل إتيانه و بين من لم يتحمّل تلك المشقّة أصلا فالاستحقاق إنّما هو لأجل إطاعة الواجب النّفسيّ و إن كان على مقدّماته.
و أمّا ترك الواجبات الغيريّة فالتّحقيق أنّه لا يحسن عقلا العقاب عليه غير العقاب على ترك الواجبات النّفسيّة كما عرفت غير مرّة. هذا تمامه في الأوامر النّفسيّة و الغيريّة الّتي كان الأمر بها محرزا غيريّا كان أو نفسيّا.
و أمّا الطّهارات الثّلاث الّتي تكون مقدّميّتها للصّلاة لا بما هي ذواتها بل بما هي عبادات فيشكل الأمر فيها حيث إنّ ترشّح الوجوب إليها إنّما هو بملاك مقدّميّتها و مقدّميّتها إنّما هي بعباديّتها و هي بقصد الأمر بها و قصد الأمر بها يتوقّف على ترشّح الأمر إليها فترشّح الأمر إليها يتوقّف على ترشّح الأمر إليها.