الإحكام في أصول الأحكام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ٥٤ - الثانية الخلاف بين القائلين بالتعبد بالقياس
وما ذكروه من المعارضة ، أما الآية الأولى ، فإنما تفيد أن لو لم يكن القياس مما عرف التعبد به من الله تعالى ورسوله ، وعند ذلك فيتوقف كون العمل بالقياس تقدما بين يدي الله ورسوله على كون الحكم به غير مستفاد من الله ورسوله ، وذلك متوقف على كون الحكم به تقدما بين يدي الله ورسوله ، فلا يكون حجة .
وأما الآية الثانية والثالثة فجوابهما من ثلاثة أوجه :
الأول : أنا نقول بموجب الآيتين ، وذلك لأنا إذا حكمنا بمقتضى القياس عند ظننا به ، فحكمنا به يكون معلوم الوجوب لنا بالاجماع ، لا أنه غير معلوم .
الثاني : أنه يجب حمل الآيتين على النهي عن القول بما ليس بمعلوم على ما تعبدنا فيه بالعلم ، جمعا بينهما ، وبين ما ذكرناه من الأدلة .
الثالث : أن الآيتين حجة على الخصوم في القول بإبطال القياس ، إذا هو غير معلوم لهم لكون المسألة غير علمية ، فكانت مشتركة الدلالة .
وبمثل هذه الأجوبة يكون الجواب عن قوله تعالى : * ( وإن الظن لا يغني من الحق شيئا ) * ( يونس : ٣٦ ) وقوله : * ( إن بعض الظن إثم ) * ( الحجرات : ١٢ ) .
وأما قوله تعالى : * ( وأن احكم بينهم بما أنزل الله ) * ( المائدة : ٤٩ ) فنحن نقول بموجبه ، فإن من حكم بما هو مستنبط من المنزل ، فقد حكم بالمنزل ، كيف وأن ذلك خطاب مع الرسول ، ولا يلزم من امتناع ذلك في حق الرسول ، لامكان تعرفه أحكام الوقائع بالوحي ، امتناع ذلك في حق غيره .
وقوله تعالى : * ( وما اختلفتم فيه من شئ فحكمه إلى الله ) * ( الشورى : ١٠ ) وقوله : * ( فردوه إلى الله والرسول ) * ( النساء : ٥٩ ) غير مانع من القياس ، لان العمل بالمستنبط من قول الله وقول الرسول حكم من الله ورد إليه وإلى الرسول .
وأما من قال بإبطال القياس ، فلم يعمل بقول الله وقول الرسول ، ولا بما استنبط منهما ، فكان ذلك حجة عليه لا له .
وقوله تعالى : * ( ما فرطنا في الكتاب من شئ ) * ( الانعام : ٣٨ )