الإحكام في أصول الأحكام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ٣٦ - الثانية الخلاف بين القائلين بالتعبد بالقياس
سلمنا صحته وأنه حجة ، غير أن اجتهاد الرأي أعم من القياس ، وذلك لان اجتهاد الرأي ، كما يكون بالقياس ، قد يكون بالاجتهاد في الاستدلال بخفي النصوص من الكتاب والسنة ، وطلب الحكم فيهما ، على التمسك بالبراءة الأصلية ، ولفظه غير عام في كل رأي ، فلا يكون حمله على اجتهاد الرأي بالقياس أولى من غيره .
سلمنا أن المراد به اجتهاد الرأي بالقياس ، غير أن القياس ينقسم إلى ما علته منصوصة أو مومى إليها ، وإلى ما علته مستنبطة بالرأي ، واللفظ أيضا مطلق ، وقد عملنا به في القياس الذي علته منصوصة على ما قاله النظام .
سلمنا أنه حجة مطلقا في كل قياس ، ولكن قبل إكمال الدين أو بعده ؟ على ما قال تعالى : * ( اليوم أكملت لكم دينكم ) * ( المائدة : ٣ ) الأول مسلم ، والثاني ممنوع . وذلك أن إكمال الدين إنما يكون باشتمال الكتاب والسنة على تعريف كل ما لا بد من معرفته وعلى هذا فالقياس لا حاجة إليه بعد ذلك . وبتقدير كونه حجة مطلقا ، لكن فيما تعبد في إثباته بالظن لا باليقين . والقياس ليس من هذا الباب .
وبهذا يكون الاعتراض على حديث ابن مسعود أيضا .
وأما حديث الجارية الخثعمية ، فالورود عليه من جملة الأسئلة الواردة على حديث معاذ ، أنه خبر واحد فيما تعم به البلوى ، وأنه ظني فلا يتمسك به في مسائل الأصول ، وهما عامان في جميع ما ذكر من الاخبار ويخصه أن النبي ( ص ) ، إنما ذكر دين الآدمي بطريق التقريب إلى فهم الجارية في حصول نفع القضاء . أما أن يكون ذلك بطريق القياس ، فلا .
وأما حديث أم سلمة فيدل على أن فعل النبي ( ص ) حجة متبعة ، أما أن يكون ذلك بطريق القياس على فعل النبي ( ص ) ، فلا .
وأما حديث سعد بن معاذ ، فليس فيه أيضا ما يدل على صحة القياس فإن أمره له بأن يحكم في بني قريظة برأيه لا يخص القياس ، لما تقدم من أن اجتهاد الرأي أعم من القياس ، فلعله أمره أن يحكم باجتهاد رأيه في الاستدلال بخفي النصوص